الصفحة 1 من 1
كتاب شهر مارس 2009
#2
تم الارسال 2-05-2009 6:30 PM
موسم الهجرة إلى الشمال رواية كتبها الطيب صالح ونشرت في البداية في مجلة حوار في سبتمبر عام 1966, ثم نشرت بعد ذلك في كتاب مستقل عن دار العودة في بيروت في نفس العام. في هذه الرواية يزور مصطفى سعيد، وهو طالب عربي، الغرب. مصطفى يصل من الجنوب، من أفريقيا، بعيدا عن الثقافة الغربية إلى الغرب بصفة طالب. يحصل على وظيفة كمحاضر في احدى الجامعات البريطانية ويتبنى قيم المجتمع البريطاني. هناك يتعرف إلى زوجته، جين موريس، وهي امرأة بريطانية ترفض قبول املاءات زوجها. بعد سبعة أعوام يعود مصطفى إلى بلاده، حيث يلتقي هناك بصورة مفاجئة براوي القصة الذي عاش أيضا في بريطانيا. القصة نفسها تروى عن طريق قصص يرويها الراوي والبطل.
القيمة الأدبية
اختيرت رواية موسم الهجرة إلى الشمال كواحدة من أفضل مائة رواية في القرن العشرين وذلك على مستوى العالم العربي, ونالت استحسانا وقبولاً عالميا وحولت إلى فلم سينمائي. إجمالاً تتناول الرواية في مضمونها مسألة العلاقة بين الشرق والغرب. وتعد "موسم الهجرة إلى الشمال" من الاعمال العربية الاولى التي تناولت لقاء الثقافات وتفاعلها وصورة الاخر الغربي بعيون الشرقي والغربي بعيون الاخر الشرقي الذي ينظر اليه كشخص قادم من عالم رومانسي يسوده السحر ويكتنفه الغموض.
وقد تطرق الطيب صالح في روايته إلى هذه العلاقة من خلال شخصية بطلها السوداني الذي يذهب ليدرس في العاصمة البريطانية لندن. وهناك يضيف إلى جانب تميزه وذكائه العقلي وتحصيله الجامعي العالى رصيدا كبيرا في اثبات فحولته مع نساء بريطانيا الذين احتلوا بلاده مع تقديم صورة ساحرة عن الحياة في المجتمع الريفي السوداني.
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
القيمة الأدبية
اختيرت رواية موسم الهجرة إلى الشمال كواحدة من أفضل مائة رواية في القرن العشرين وذلك على مستوى العالم العربي, ونالت استحسانا وقبولاً عالميا وحولت إلى فلم سينمائي. إجمالاً تتناول الرواية في مضمونها مسألة العلاقة بين الشرق والغرب. وتعد "موسم الهجرة إلى الشمال" من الاعمال العربية الاولى التي تناولت لقاء الثقافات وتفاعلها وصورة الاخر الغربي بعيون الشرقي والغربي بعيون الاخر الشرقي الذي ينظر اليه كشخص قادم من عالم رومانسي يسوده السحر ويكتنفه الغموض.
وقد تطرق الطيب صالح في روايته إلى هذه العلاقة من خلال شخصية بطلها السوداني الذي يذهب ليدرس في العاصمة البريطانية لندن. وهناك يضيف إلى جانب تميزه وذكائه العقلي وتحصيله الجامعي العالى رصيدا كبيرا في اثبات فحولته مع نساء بريطانيا الذين احتلوا بلاده مع تقديم صورة ساحرة عن الحياة في المجتمع الريفي السوداني.
من ويكيبيديا، الموسوعة الحرة
#3
تم الارسال 2-05-2009 6:36 PM
من هو مصطفى سعيد بطل «موسم الهجرة إلى الشمال»؟
شاهدة على زمن الرواية وأبطاله تستجمع خيوط القصة
الخرطوم: جريزلدا الطيب
كاتبة هذا المقال جريزلدا الطيب، هي فنانة بريطانية وباحثة في الأدب الأفريقي بلغت اليوم ثمانيناتها. كانت قد تزوجت من عبد الله الطيب، الكاتب السوداني الراحل المعروف، وعايشت الحقبة التي تستوحي منها رواية «موسم الهجرة إلى الشمال أحداثها وأبطالها» في السودان كما في لندن. وهذه الباحثة تكتب اليوم، مفككة الرواية، باحثة عن أصول أبطالها في واقع الطيب صالح، لا كدارسة أكاديمية فحسب، بل كشاهد حي على فترة، لم يبق منها الكثير من الشهود. انها قراءة مختلفة ومثيرة لرواية لا تزال تشغل النقاد...
جيل اليوم يعرف الطيب صالح من خلال كتاباته الروائية والمقالات، ومعلوماتهم عن حياته، تعتمد على مقولات وفرضيات، معظمها غير صحيح، تحيط بفلك هذا الكاتب المشهور وروايته ذائعة الصيت «موسم الهجرة إلى الشمال».
وهذه المقالة تغطي فجوة زمنية مهمة، تقع بين جيل قراء ومعجبي الطيب صالح الجدد وجيلنا نحن. فأنا أنتمي الى جيل قديم انطفأ عنه البريق، ولكنه عرف الطيب صالح شخصيا في شبابه، وكذلك عرفت الأشخاص والأحداث التي شكلت، على الأرجح، خلفية لـ«موسم الهجرة الى الشمال» لأنها كانت رابضة في وعي المؤلف. والدراسة هذه هي عملية تحليل لمعرفة مفاتيح رواية «موسم الهجرة الى الشمال» roman a_clef بدلا من الفكرة السائدة عنها في المحيط الأدبي كسيرة ذاتية للكاتب كما في دراسة سابقة للناقد رجاء النقاش الذي تعرّف على الطيب صالح في الخليج عندما كان الأخير يعمل هناك، وفي غيرها من الدراسات النقدية لنقاد تبنوا نفس التحليل رغم أن معظمهم لم يتعرّف على طبيعة الحياة في السودان أو في بريطانيا!
وندعي من طرفنا، أن مصطفى سعيد بطل رواية «موسم الهجرة الى الشمال» ليس هو الطيب صالح، ولا يستعير جانباً مهماً من سيرته؟ فمن يكون هذا البطل الروائي اذاً؟
هذا سؤال مثير ليس علينا أن نجفل من إجابته، ولكن دعونا أولاً نؤسس تحقيقنا على أن مصطفى سعيد ليس ولا يمكن أن يكون سيرة ذاتية للكاتب. الطيب صالح ذهب الى المملكة المتحدة عام 1952 لينضم الى فريق القسم العربي بالـ«بي بي سي» حيث ظل يعمل هناك على مدى 15 عاما، قام فيها بأعمال متميزة وبدأ وظيفته كمؤلف. ولكن الحقيقة أنه لم يدرس أبدا في أي جامعة في المملكة المتحدة، بينما مصطفى سعيد بطل الرواية يفترض أنه ذهب الى المملكة المتحدة في منتصف العشرينات، وحقق نتائج أكاديمية رفيعة ونجاحا باهرا. وفي الحقيقة أنه لا يوجد سوداني ذهب الى المملكة المتحدة في العشرينات، وهي واحدة من الأحداث المدهشة في الكتاب. ولكن في الثلاثينات ذهب الى المملكة المتحدة كل من الدرديري إسماعيل ويعقوب عثمان لدراسة القانون.
ما نود تحقيقه الآن هو أن مصطفى سعيد بطل متخيّل على عدة مستويات في ذهن المؤلف، مصطفى سعيد قد صنع من مزج عدة شخصيات التقاهم بالتأكيد الطيب صالح أو سمع بهم عندما ذهب لأول مرة إلى لندن عام 1952، ولكن قبل أن نمعن أو ننطلق في هذه الفرضية علينا أن ننظر الى شخصية البطل ونقسمها الى ثلاثة محاور:
مصطفى سعيد- الأكاديمي السوداني الذي يعيش في لندن.
مصطفى سعيد- «دون جوان لندن».
مصطفى سعيد - وعودته الى موطنه الأول.
يرجح ان مصطفى سعيد الأكاديمي هو شخصية «متكوّنة» من ثلاثة أعضاء في دفعة السودانيين النخبة الذين اختيروا بعناية، وأرسلوا بواسطة الحكومة السودانية عام 1945 لجامعات المملكة المتحدة، وكلهم يمثلون شخصيات بطولية في الوعي الوطني الباكر للسودانيين، أحدهم هو د. سعد الدين فوزي وهو أول سوداني يتخصص في الاقتصاد بجامعة أكسفورد، حيث تزوج فتاة هولندية محترمة ومخلصة وليست شبيهة بالفتيات في الرواية، وحصل على درجة الدكتوراة في العام 1953، وعاد الى السودان، حيث شغل منصبا أكاديميا رفيعا الى أن توفي بالسرطان عام 1959. ولكن قبل ذلك التاريخ في الخمسينات حصل عبدالله الطيب على درجة الدكتوراه من جامعة لندن في اللغة العربية وعيّن بعدها محاضرا في كلية الدراسات الأفريقية والشرقية بالجامعة نفسها، وقبلها بعامين تزوج من فتاة إنجليزية، ومرة أخرى ليست شبيهة بصور فتيات الرواية.
إذا هنا مزج الطيب صالح الشخصيات الثلاثة: سعد الدين وحصوله على شهادة بالاقتصاد من أكسفورد والدكتور عبدالله الطيب وتعيينه محاضرا في جامعة لندن. أما الشخص الأكاديمي السوداني الثالث الذي اقتبس الطيب صالح جزءاً من شخصيته لتمثل الصفة الثالثة عند مصطفى سعيد وهي «الدون جوان، الى حد ما، فهو الدكتور أحمد الطيب. هذا الرجل كان جذابا وشخصية معقدة ومفكرا رومانسيا، وكما حال الأكاديميين من جيله شغله الصراع النفسي بين حياته الحاضرة وإرثه القديم، كما كان مجروح العواطف ومهشما بالطموح السياسي ومنافسات الوظيفة لجيله. وكطالب يافع فإن أحمد الطيب كان معجبا جدا بـ د.هـ. لورنس وفكرة «الحب الحر»، ومن المحتمل أنه عند ذهابه الى إنجلترا كان يضع في ذهنه ونصب عينيه إمكانية إقامة علاقات رومانسية مع الفتيات الإنجليزيات. ولكن أول رحلة له للمملكة المتحدة كانت عام 1945-46 وهي فترة قصيرة، ولكن زيارته الثانية عام 1951-1954 أنجز فيها درجة الدكتوراه في الأدب العربي وتزوج من سيدة بريطانية. وقد فشل هذا الزواج والتقي أحمد بزوجة سودانية لطيفة والتي لحد ما تشابه حسنة- ولكن أحمد الطيب لم يستقر في زواجه، كما هو متوقع، وانتهت حياته في السودان فجأة وبطريقة غامضة ومأساوية. وهو بكل تأكيد معروف تماما الى الطيب صالح، وكان يعيش في لندن عندما ذهب إليها الكاتب لأول مرة.
وعامل آخر يجب أن يذكر في الربط بين الدكتور أحمد الطيب ومصطفى سعيد، هو أن أحمد الطيب كانت له علاقة وثيقة جدا بصحافي لامع شاب وهو بشير محمد سعيد، جاء من منطقة أو حياة قروية تشابه الى حد بعيد بيئة الراوي في «موسم الهجرة الى الشمال».
وإذا عدنا لشخصية الدون جوان عند مصطفى سعيد، فان الطيب صالح لم تكن لديه مبررات عظيمة أو مقنعه لإلقاء نفسه على أجساد النساء الإنجليزيات كانتقام من الإمبريالية لوطنه. أولا، ولنقل بأمانة أن الإمبريالية المذكورة في الرواية ليست بهذا السوء، فإذا كان البريطانيون قد احتلوا السودان وإذا ما كانت لديهم مغامرات في أجزاء من هذا البلد، فذلك لأن التركيب الاجتماعي في تلك المناطق يسمح بإقامة مثل هذه العلاقات بل وحتى يشجعها، ولكن الاستعماريين البريطانيين لم يؤذوا النساء في شمال السودان الإسلامي، لذا فإنه ليس هناك تبرير منطقي لهذا الإنتقام. وترينا الرواية ان الفتيات الإنجليزيات كن ينظرن الى الطلاب الأفارقة كظاهرة مثيرة جديدة تسبح في أفق حياتهن الجنسية والإجتماعية. وفي رأيي أن الكاتب النيجيري شينوا أكليشي تعامل مع هذا الوضع في روايتهNo longer at ease وبطلها «أوبي» بطريقة أكثر واقعية وقابلية للتصديق من رواية مصطفى سعيد، الذي تعامل مع الوضع العام كله وكأنه حقيقة إجتماعية في ذلك الزمان. ولذا علينا هنا توضيح الأمر. ففكرة أن إعجاب النساء البيض بالرجال الأفارقة تتبع لأسطورة الرجل الأفريقي القوي جنسيا، هذه الفكرة موجودة لدى العرب أنفسهم، ومؤكدة في بداية رواية ألف ليلة وليلة فشهرزاد مهددة بالموت من زوجها الملك شهريار الذي خانته زوجته الأولى مع عبد زنجي.
كما هناك توضيح آخر يجب أن يوضع في الإعتبار، أن ذلك الجيل من الفتيات والنساء البريطانيات اللواتي تعرّفن على الطلاب الأفارقة في بلادهن في تلك الفترة هن بنات لأمهات حاربن طويلا لأجل المساواة مع الرجل وتخلصن مما يسمى بـ«عقدة أو أسطورة الرجل القوي». ولكن بلا وعي منهن فإن هؤلاء الفتيات كن يبحثن عن الذكر «الجنتلمان»- أو الحمش باللهجة المصرية، وهو الرجل الذي يوافق أدبياتهن وما قرأنه في «روايات جين آير» و«مرتفعات ويزرنج» ونموذج الرجل الغريب الأسود، وهذا ما جعلهن يتوقعن أن يجدنها عند الرجال الأفارقة الذين يبدون واثقين من أنفسهم وقوتهم وشجاعتهم وحمايتهم للمرأة وقناعتهم الثابتة بأنها المخلوق الضعيف الذي يحتاج الى الحماية! وهذا ما فشل الطيب صالح في تصويره. كما أن الفتيات البريطانيات اللواتي أقمن علاقات مع الطلاب الأفارقة كن يعملن على مساعدة هؤلاء الطلاب في بحوثهم الجامعية وكتابتها باللغة الإنجليزية الرصينة. لذا فليس الشكل الخارجي الجذاب لمصطفى سعيد هو الذي قاد الفتيات الإنجليزيات لأن يقعن في غرامه من أول وهلة!
ولحسن الحظ أنه لم تكن هناك قضية جنائية لرجل سوداني قتل فيها سيدة بريطانية أو عشيقة، ولكن كانت هناك قصة مأساوية حدثت في الخمسينات تناقلتها الصحف بتغطية واسعة، كانت القصة بين فتاة بريطانية تدعى ناوومي بيدوك وفتاها السوداني عبدالرحمن آدم، كان الإثنان يدرسان بجامعة كمبريدج ونشأت بينهما علاقة عاطفية. وقام والد الفتى بزيارة مفاجئة الى إنجلترا وعارض هذه العلاقة والزواج المخطط له بين الشابين، مما أعقبه انتحار الفتى بالغاز، ومن ثم انتحار الفتاة ناوومي بعده بأيام وبنفس الوسيلة. وكان والدها العطوف المتسامح بروفسور دان بيدو قد ألقى كلمة حزينة في التحقيق، تعاطف فيها مع قصة حب ابنته وأنه كان يتمنى لها زواجا سعيدا. وهو خطاب يشبه في عاطفيته الذي ألقاه والد الفتاة التي قتلها مصطفى سعيد في روايته للمحكمة.
بل حتى مشهد المحاكمة نفسه نستطيع ان نجد له من مقابل، فقد حدثت في العام 1947 قضية مشهورة جدا حيث قام حارس مطعم سوداني يدعى محمد عباس ألقي عليه القبض لإطلاقه النار على رجل جامايكي، وقد حكم عليه بالقتل الخطأ. وهذه القضية أثارت حساسية لدى المجتمع السوداني بلندن حيث أن كل السودانيين كانوا معتادين الذهاب الى ذلك المطعم في إيست إند ليتناولوا فيه الأطباق السودانية المحببة. وهذه الحادثة كان قد سجلها عبدالله الطيب في صحيفة «الأيام» التي تصدر في الخرطوم عام 1954.
وفي الحقيقة كانت براعة من الطيب صالح أن يقوم بخلط كل تلك الشخصيات والأحداث وإخراج عمل فني رائع منها. أما أكثر الجوانب المثيرة، والمحيطة بمصطفى سعيد فهي عودته لبلده كمواطن غير سعيد، وظاهرة عدم الرضا، وعدم التوافق مع المجتمع الأصل، كان قد تناولها عدد من الكتاب الأفارقة. وهي مشاعر يمكن الإحساس بها في الروايات No Longer at Ease و The Beautiful one is not yet born و Morning yet in Creation و Not yet Uhuru. والقرية في الرواية شبيهة بقرية الطيب صالح التي قمت بزيارتها بمنطقة الشمالية، وهنا نجد السيرة الذاتية بالتأكيد قد دخلت في نسيج الرواية وتلاقي الأجيال هو حقيقي في القرى، إلا أن التعليقات التي قالتها المرأة العجوز في مجتمع محافظ كمجتمعات القرى يجعل المرء يتساءل من أين أتى الطيب صالح بهذه المرأة؟ وقصة حسنة وزواجها الثاني مناف للواقع حيث أن التقاليد القروية تمنح الأرامل الحرية في اختيار الزوج على عكس العذراوات.
وفي القرى حيث أن أي شخص له الحرية في التدخل في حياة الشخص الآخر وشؤونه وحيث الناس دائما في حالة إجتماع مع بعضهم البعض. ويمكننا تخيل مدى الفضول في قرية نائية تجاه كل جديد وافد. فمن الطبيعي أن شخصا مثقفا عائدا من أوروبا يريد أن تكون له مملكته الخاصة. وهذه الغرفة الخاصة بمصطفى سعيد شبيهة بغرفة كانت في حي العرب بأم درمان، وصاحبها هو المرحوم محمد صالح الشنقيطي. وهو شخصية سودانية لامعة ومن النخب المثقفة، وهو أيضا أول قاض وبرلماني ضليع تلقى تعليمه ببيروت، وقد جاء ذكره وذكر غرفته في رواية Black Vanguard للكاتب السوري إدوارد عطية التي صدرت في الأربعينات، والذي كان يعمل في مخابرات الجيش البريطاني في السودان. وبالطبع كانت هناك الزيارات العديدة الى منزل محمد صالح الشنقيطي بعد تناول الشاي وبعدها بالتأكيد يذهبون الى الغرفة المهيأة بالأثاث في «الديوان»-الاسم القديم للصالون، المحاط بالزهور. وهي غرفة تبدو عادية من الخارج يهتم بها الشنقيطي يغلقها ويفتحها بنفسه، والكتب بها مرصوصة من الأرض الى السقف ومفروشة بالسجاجيد الفارسية الثمينة والتحف الرومانية. وهذه المكتبة الخاصة تشابه بصورة دقيقة غرفة مصطفى سعيد حيث يسمح للراوي بإلقاء نظرة على الغرفة، وتم إهداء محتويات المكتبة الى جامعة الخرطوم في الذكرى السنوية لرحيله.
وبذا نكون قد حققنا تركيبة الشخصية المعقدة لمصطفى سعيد، في هذه الرواية الشهيرة «موسم الهجرة الى الشمال» ليس استناداً فقط إلى وثائق قرأناها، وإنما إلى حقبة كاملة سنحت الفرصة ان أكون شاهدة على أحداثها.
منقول من جريدة الشرق الأوسط
شاهدة على زمن الرواية وأبطاله تستجمع خيوط القصة
الخرطوم: جريزلدا الطيب
كاتبة هذا المقال جريزلدا الطيب، هي فنانة بريطانية وباحثة في الأدب الأفريقي بلغت اليوم ثمانيناتها. كانت قد تزوجت من عبد الله الطيب، الكاتب السوداني الراحل المعروف، وعايشت الحقبة التي تستوحي منها رواية «موسم الهجرة إلى الشمال أحداثها وأبطالها» في السودان كما في لندن. وهذه الباحثة تكتب اليوم، مفككة الرواية، باحثة عن أصول أبطالها في واقع الطيب صالح، لا كدارسة أكاديمية فحسب، بل كشاهد حي على فترة، لم يبق منها الكثير من الشهود. انها قراءة مختلفة ومثيرة لرواية لا تزال تشغل النقاد...
جيل اليوم يعرف الطيب صالح من خلال كتاباته الروائية والمقالات، ومعلوماتهم عن حياته، تعتمد على مقولات وفرضيات، معظمها غير صحيح، تحيط بفلك هذا الكاتب المشهور وروايته ذائعة الصيت «موسم الهجرة إلى الشمال».
وهذه المقالة تغطي فجوة زمنية مهمة، تقع بين جيل قراء ومعجبي الطيب صالح الجدد وجيلنا نحن. فأنا أنتمي الى جيل قديم انطفأ عنه البريق، ولكنه عرف الطيب صالح شخصيا في شبابه، وكذلك عرفت الأشخاص والأحداث التي شكلت، على الأرجح، خلفية لـ«موسم الهجرة الى الشمال» لأنها كانت رابضة في وعي المؤلف. والدراسة هذه هي عملية تحليل لمعرفة مفاتيح رواية «موسم الهجرة الى الشمال» roman a_clef بدلا من الفكرة السائدة عنها في المحيط الأدبي كسيرة ذاتية للكاتب كما في دراسة سابقة للناقد رجاء النقاش الذي تعرّف على الطيب صالح في الخليج عندما كان الأخير يعمل هناك، وفي غيرها من الدراسات النقدية لنقاد تبنوا نفس التحليل رغم أن معظمهم لم يتعرّف على طبيعة الحياة في السودان أو في بريطانيا!
وندعي من طرفنا، أن مصطفى سعيد بطل رواية «موسم الهجرة الى الشمال» ليس هو الطيب صالح، ولا يستعير جانباً مهماً من سيرته؟ فمن يكون هذا البطل الروائي اذاً؟
هذا سؤال مثير ليس علينا أن نجفل من إجابته، ولكن دعونا أولاً نؤسس تحقيقنا على أن مصطفى سعيد ليس ولا يمكن أن يكون سيرة ذاتية للكاتب. الطيب صالح ذهب الى المملكة المتحدة عام 1952 لينضم الى فريق القسم العربي بالـ«بي بي سي» حيث ظل يعمل هناك على مدى 15 عاما، قام فيها بأعمال متميزة وبدأ وظيفته كمؤلف. ولكن الحقيقة أنه لم يدرس أبدا في أي جامعة في المملكة المتحدة، بينما مصطفى سعيد بطل الرواية يفترض أنه ذهب الى المملكة المتحدة في منتصف العشرينات، وحقق نتائج أكاديمية رفيعة ونجاحا باهرا. وفي الحقيقة أنه لا يوجد سوداني ذهب الى المملكة المتحدة في العشرينات، وهي واحدة من الأحداث المدهشة في الكتاب. ولكن في الثلاثينات ذهب الى المملكة المتحدة كل من الدرديري إسماعيل ويعقوب عثمان لدراسة القانون.
ما نود تحقيقه الآن هو أن مصطفى سعيد بطل متخيّل على عدة مستويات في ذهن المؤلف، مصطفى سعيد قد صنع من مزج عدة شخصيات التقاهم بالتأكيد الطيب صالح أو سمع بهم عندما ذهب لأول مرة إلى لندن عام 1952، ولكن قبل أن نمعن أو ننطلق في هذه الفرضية علينا أن ننظر الى شخصية البطل ونقسمها الى ثلاثة محاور:
مصطفى سعيد- الأكاديمي السوداني الذي يعيش في لندن.
مصطفى سعيد- «دون جوان لندن».
مصطفى سعيد - وعودته الى موطنه الأول.
يرجح ان مصطفى سعيد الأكاديمي هو شخصية «متكوّنة» من ثلاثة أعضاء في دفعة السودانيين النخبة الذين اختيروا بعناية، وأرسلوا بواسطة الحكومة السودانية عام 1945 لجامعات المملكة المتحدة، وكلهم يمثلون شخصيات بطولية في الوعي الوطني الباكر للسودانيين، أحدهم هو د. سعد الدين فوزي وهو أول سوداني يتخصص في الاقتصاد بجامعة أكسفورد، حيث تزوج فتاة هولندية محترمة ومخلصة وليست شبيهة بالفتيات في الرواية، وحصل على درجة الدكتوراة في العام 1953، وعاد الى السودان، حيث شغل منصبا أكاديميا رفيعا الى أن توفي بالسرطان عام 1959. ولكن قبل ذلك التاريخ في الخمسينات حصل عبدالله الطيب على درجة الدكتوراه من جامعة لندن في اللغة العربية وعيّن بعدها محاضرا في كلية الدراسات الأفريقية والشرقية بالجامعة نفسها، وقبلها بعامين تزوج من فتاة إنجليزية، ومرة أخرى ليست شبيهة بصور فتيات الرواية.
إذا هنا مزج الطيب صالح الشخصيات الثلاثة: سعد الدين وحصوله على شهادة بالاقتصاد من أكسفورد والدكتور عبدالله الطيب وتعيينه محاضرا في جامعة لندن. أما الشخص الأكاديمي السوداني الثالث الذي اقتبس الطيب صالح جزءاً من شخصيته لتمثل الصفة الثالثة عند مصطفى سعيد وهي «الدون جوان، الى حد ما، فهو الدكتور أحمد الطيب. هذا الرجل كان جذابا وشخصية معقدة ومفكرا رومانسيا، وكما حال الأكاديميين من جيله شغله الصراع النفسي بين حياته الحاضرة وإرثه القديم، كما كان مجروح العواطف ومهشما بالطموح السياسي ومنافسات الوظيفة لجيله. وكطالب يافع فإن أحمد الطيب كان معجبا جدا بـ د.هـ. لورنس وفكرة «الحب الحر»، ومن المحتمل أنه عند ذهابه الى إنجلترا كان يضع في ذهنه ونصب عينيه إمكانية إقامة علاقات رومانسية مع الفتيات الإنجليزيات. ولكن أول رحلة له للمملكة المتحدة كانت عام 1945-46 وهي فترة قصيرة، ولكن زيارته الثانية عام 1951-1954 أنجز فيها درجة الدكتوراه في الأدب العربي وتزوج من سيدة بريطانية. وقد فشل هذا الزواج والتقي أحمد بزوجة سودانية لطيفة والتي لحد ما تشابه حسنة- ولكن أحمد الطيب لم يستقر في زواجه، كما هو متوقع، وانتهت حياته في السودان فجأة وبطريقة غامضة ومأساوية. وهو بكل تأكيد معروف تماما الى الطيب صالح، وكان يعيش في لندن عندما ذهب إليها الكاتب لأول مرة.
وعامل آخر يجب أن يذكر في الربط بين الدكتور أحمد الطيب ومصطفى سعيد، هو أن أحمد الطيب كانت له علاقة وثيقة جدا بصحافي لامع شاب وهو بشير محمد سعيد، جاء من منطقة أو حياة قروية تشابه الى حد بعيد بيئة الراوي في «موسم الهجرة الى الشمال».
وإذا عدنا لشخصية الدون جوان عند مصطفى سعيد، فان الطيب صالح لم تكن لديه مبررات عظيمة أو مقنعه لإلقاء نفسه على أجساد النساء الإنجليزيات كانتقام من الإمبريالية لوطنه. أولا، ولنقل بأمانة أن الإمبريالية المذكورة في الرواية ليست بهذا السوء، فإذا كان البريطانيون قد احتلوا السودان وإذا ما كانت لديهم مغامرات في أجزاء من هذا البلد، فذلك لأن التركيب الاجتماعي في تلك المناطق يسمح بإقامة مثل هذه العلاقات بل وحتى يشجعها، ولكن الاستعماريين البريطانيين لم يؤذوا النساء في شمال السودان الإسلامي، لذا فإنه ليس هناك تبرير منطقي لهذا الإنتقام. وترينا الرواية ان الفتيات الإنجليزيات كن ينظرن الى الطلاب الأفارقة كظاهرة مثيرة جديدة تسبح في أفق حياتهن الجنسية والإجتماعية. وفي رأيي أن الكاتب النيجيري شينوا أكليشي تعامل مع هذا الوضع في روايتهNo longer at ease وبطلها «أوبي» بطريقة أكثر واقعية وقابلية للتصديق من رواية مصطفى سعيد، الذي تعامل مع الوضع العام كله وكأنه حقيقة إجتماعية في ذلك الزمان. ولذا علينا هنا توضيح الأمر. ففكرة أن إعجاب النساء البيض بالرجال الأفارقة تتبع لأسطورة الرجل الأفريقي القوي جنسيا، هذه الفكرة موجودة لدى العرب أنفسهم، ومؤكدة في بداية رواية ألف ليلة وليلة فشهرزاد مهددة بالموت من زوجها الملك شهريار الذي خانته زوجته الأولى مع عبد زنجي.
كما هناك توضيح آخر يجب أن يوضع في الإعتبار، أن ذلك الجيل من الفتيات والنساء البريطانيات اللواتي تعرّفن على الطلاب الأفارقة في بلادهن في تلك الفترة هن بنات لأمهات حاربن طويلا لأجل المساواة مع الرجل وتخلصن مما يسمى بـ«عقدة أو أسطورة الرجل القوي». ولكن بلا وعي منهن فإن هؤلاء الفتيات كن يبحثن عن الذكر «الجنتلمان»- أو الحمش باللهجة المصرية، وهو الرجل الذي يوافق أدبياتهن وما قرأنه في «روايات جين آير» و«مرتفعات ويزرنج» ونموذج الرجل الغريب الأسود، وهذا ما جعلهن يتوقعن أن يجدنها عند الرجال الأفارقة الذين يبدون واثقين من أنفسهم وقوتهم وشجاعتهم وحمايتهم للمرأة وقناعتهم الثابتة بأنها المخلوق الضعيف الذي يحتاج الى الحماية! وهذا ما فشل الطيب صالح في تصويره. كما أن الفتيات البريطانيات اللواتي أقمن علاقات مع الطلاب الأفارقة كن يعملن على مساعدة هؤلاء الطلاب في بحوثهم الجامعية وكتابتها باللغة الإنجليزية الرصينة. لذا فليس الشكل الخارجي الجذاب لمصطفى سعيد هو الذي قاد الفتيات الإنجليزيات لأن يقعن في غرامه من أول وهلة!
ولحسن الحظ أنه لم تكن هناك قضية جنائية لرجل سوداني قتل فيها سيدة بريطانية أو عشيقة، ولكن كانت هناك قصة مأساوية حدثت في الخمسينات تناقلتها الصحف بتغطية واسعة، كانت القصة بين فتاة بريطانية تدعى ناوومي بيدوك وفتاها السوداني عبدالرحمن آدم، كان الإثنان يدرسان بجامعة كمبريدج ونشأت بينهما علاقة عاطفية. وقام والد الفتى بزيارة مفاجئة الى إنجلترا وعارض هذه العلاقة والزواج المخطط له بين الشابين، مما أعقبه انتحار الفتى بالغاز، ومن ثم انتحار الفتاة ناوومي بعده بأيام وبنفس الوسيلة. وكان والدها العطوف المتسامح بروفسور دان بيدو قد ألقى كلمة حزينة في التحقيق، تعاطف فيها مع قصة حب ابنته وأنه كان يتمنى لها زواجا سعيدا. وهو خطاب يشبه في عاطفيته الذي ألقاه والد الفتاة التي قتلها مصطفى سعيد في روايته للمحكمة.
بل حتى مشهد المحاكمة نفسه نستطيع ان نجد له من مقابل، فقد حدثت في العام 1947 قضية مشهورة جدا حيث قام حارس مطعم سوداني يدعى محمد عباس ألقي عليه القبض لإطلاقه النار على رجل جامايكي، وقد حكم عليه بالقتل الخطأ. وهذه القضية أثارت حساسية لدى المجتمع السوداني بلندن حيث أن كل السودانيين كانوا معتادين الذهاب الى ذلك المطعم في إيست إند ليتناولوا فيه الأطباق السودانية المحببة. وهذه الحادثة كان قد سجلها عبدالله الطيب في صحيفة «الأيام» التي تصدر في الخرطوم عام 1954.
وفي الحقيقة كانت براعة من الطيب صالح أن يقوم بخلط كل تلك الشخصيات والأحداث وإخراج عمل فني رائع منها. أما أكثر الجوانب المثيرة، والمحيطة بمصطفى سعيد فهي عودته لبلده كمواطن غير سعيد، وظاهرة عدم الرضا، وعدم التوافق مع المجتمع الأصل، كان قد تناولها عدد من الكتاب الأفارقة. وهي مشاعر يمكن الإحساس بها في الروايات No Longer at Ease و The Beautiful one is not yet born و Morning yet in Creation و Not yet Uhuru. والقرية في الرواية شبيهة بقرية الطيب صالح التي قمت بزيارتها بمنطقة الشمالية، وهنا نجد السيرة الذاتية بالتأكيد قد دخلت في نسيج الرواية وتلاقي الأجيال هو حقيقي في القرى، إلا أن التعليقات التي قالتها المرأة العجوز في مجتمع محافظ كمجتمعات القرى يجعل المرء يتساءل من أين أتى الطيب صالح بهذه المرأة؟ وقصة حسنة وزواجها الثاني مناف للواقع حيث أن التقاليد القروية تمنح الأرامل الحرية في اختيار الزوج على عكس العذراوات.
وفي القرى حيث أن أي شخص له الحرية في التدخل في حياة الشخص الآخر وشؤونه وحيث الناس دائما في حالة إجتماع مع بعضهم البعض. ويمكننا تخيل مدى الفضول في قرية نائية تجاه كل جديد وافد. فمن الطبيعي أن شخصا مثقفا عائدا من أوروبا يريد أن تكون له مملكته الخاصة. وهذه الغرفة الخاصة بمصطفى سعيد شبيهة بغرفة كانت في حي العرب بأم درمان، وصاحبها هو المرحوم محمد صالح الشنقيطي. وهو شخصية سودانية لامعة ومن النخب المثقفة، وهو أيضا أول قاض وبرلماني ضليع تلقى تعليمه ببيروت، وقد جاء ذكره وذكر غرفته في رواية Black Vanguard للكاتب السوري إدوارد عطية التي صدرت في الأربعينات، والذي كان يعمل في مخابرات الجيش البريطاني في السودان. وبالطبع كانت هناك الزيارات العديدة الى منزل محمد صالح الشنقيطي بعد تناول الشاي وبعدها بالتأكيد يذهبون الى الغرفة المهيأة بالأثاث في «الديوان»-الاسم القديم للصالون، المحاط بالزهور. وهي غرفة تبدو عادية من الخارج يهتم بها الشنقيطي يغلقها ويفتحها بنفسه، والكتب بها مرصوصة من الأرض الى السقف ومفروشة بالسجاجيد الفارسية الثمينة والتحف الرومانية. وهذه المكتبة الخاصة تشابه بصورة دقيقة غرفة مصطفى سعيد حيث يسمح للراوي بإلقاء نظرة على الغرفة، وتم إهداء محتويات المكتبة الى جامعة الخرطوم في الذكرى السنوية لرحيله.
وبذا نكون قد حققنا تركيبة الشخصية المعقدة لمصطفى سعيد، في هذه الرواية الشهيرة «موسم الهجرة الى الشمال» ليس استناداً فقط إلى وثائق قرأناها، وإنما إلى حقبة كاملة سنحت الفرصة ان أكون شاهدة على أحداثها.
منقول من جريدة الشرق الأوسط
#4
تم الارسال 2-05-2009 6:42 PM
أشهر روايات الطيب صالح
"موسم الهجرة إلى الشمال".. ليل لا يعقبه نهار !
محيط – سميرة سليمان
غلاف الرواية
"إن موسم الهجرة إلى الشمال، كانت تحدياً للنظرة الاستشراقية.. إذ لا يجب أن نصير مسوخاً لآخرين.. لابد أن نتطور في إطار ما لدينا من سياق إسلامي تاريخي حضاري خصب".
هكذا يصف عبقري الرواية العربية السوداني الراحل مؤخرا الطيب صالح روايته الذائعة الصيت "موسم الهجرة إلى الشمال" الصادرة عن دار العودة ببيروت، والتي اختيرت كواحدة من أفضل مئة رواية في القرن العشرين وذلك على مستوى العالم العربي، وترجمت إلى كثير من اللغات الأجنبية وقرِّرت على طلاب بعض الجامعات العربية، و حضَّرت إحدى الباحثات في مجال علم النفس رسالة دكتوراة في هذه الرواية تحت عنوان "صراع المقهور مع السلطة ".
البداية
"عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنتُ خلالها أتعلّم في أوروبا. تعلمت الكثير وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى".
هكذا تبدأ رواية الطيب صالح بعودة الراوي وهو طالب سوداني كان يدرس في لندن ويصف كيف استقبلته الوفود من أهالي قريته ليرحبوا بعودته سالما ولكنه يطالع بين الوجوه وجها غريبا لا يعرفه، وعند السؤال عنه يعرف أنه يُدعى "مصطفى سعيد" وهو رجل من الخرطوم جاء إلى القرية منذ خمس سنوات و اشترى أرضاً عمل بها ثم تزوج بإحدى بنات القرية و أنجب منها طفلين, وأجمع أهل القرية على أنه رجل صالح و طيب، ولكن أهل القرية لا يعرفون عنه الكثير.
يصف جد الراوي مصطفى سعيد قائلا: "..أن مصطفى طول إقامته في البلد، لم يبدو منه شئ منفر، وأنه يحضر صلاة الجمعة في المسجد بانتظام، وأنه يسارع "بذراعه وقدحه في الأفراح والأتراح".
سر يُكتشف
دعي الراوي ذات مساء إلى مجلس شراب في بيت صديقه منذ الطفولة "محجوب"، وكان مصطفى سعيد حاضرا، وبعد أن شربا قليلاً، بدأ مصطفى سعيد وقد أدار الخمر رأسه يهذي ويردد شعراً إنجليزياً بلهجة متقنة، الأمر الذي أثار فضول الراوي وجعله يسأل مصطفى سعيد عن سر شعره هذا، فدعاه في اليوم التالي ليخبره بكل شيء .. قصته، حياته، رحلته باتجاه الشمال، مغامراته العاطفية، تسببه بانتحار ثلاث نساء إنجليزيات, و قتل زوجته الإنجليزية أيضا....السجن، الضياع ..
وقص مصطفى سعيد على الراوي كيف أنه نشأ يتيما في الخرطوم وعاش مع والدته فقط ولم يكن له أهل ويصف نفسه قائلا: "... منذ صغري، كنت أحس بأنني مختلف. أقصد أنني لست كبقية الأطفال في سني، لا أتأثر بشئ، لا أبكي إذا ضربت، لا أفرح إذا أثنى علىّ المدرس في الفصل، لا اتألم لما يتألم له الباقون. كنت مثل شئ مكور من المطاط، تلقيه في الماء فلا يبتل، ترميه على الأرض فيقفز".
ويمضي يحكي له عن محطات مهمة في حياته بدأت بدخوله المدرسة وتفوقه ونبوغه فيها فيقول: "..سرعان ما اكتشفت في عقلي مقدرة عجيبة على الحفظ والاستيعاب والفهم. اقرأ الكتاب فيرسخ جملة في ذهني. ما ألبث أن أركز عقلي في مشكلة الحساب حتى تنفتح لي مغالقها، تذوب بين يدي كأنها قطعة ملح وضعتها في الماء". ويحدثه عن تفوقه في اللغة الإنجليزية حتى أن ناظر المدرسة وكان إنجليزيا قال له: "هذه البلد لا تتسع لذهنك، فسافر. إذهب إلى مصر أو لبنان أو إنجلترا. ليس عندنا شئ نعطك إياه بعد الآن".
القاهرة ثم لندن
مكافأة لتفوقه سافر مصطفى سعيد إلى القاهرة ودخل مدرسة ثانوية مجانية هناك، ويروي مصطفى لحظة إخباره لأمه بسفره ووداعه لها قائلا: "..كان ذلك وداعنا. لا دموع ولا قبل ولا ضوضاء. مخلوقان سارا شطرا من الطريق معا، ثم سلك كل منهما سبيله".
كان في القاهرة على موعد للقاء مستر روبنسن وزوجته التي كانت تصفه بأنه إنسان خال تمام من المرح ولا يستطيع أن ينسى عقله أبدا، وبعد دراسته في القاهرة سافر إلى لندن في بعثة دراسية.
وفي طريقه إلى لندن يقول: "..فكرت في حياتي في القاهرة. لم يحدث شئ ليس في الحسبان. زادت معلوماتي. وحدثت لي أحداث صغيرة، وأحبتني زميلة لي ثم كرهتني وقالت لي: "أنت لست إنسانا. أنت آلة صماء".
محاكمة
في لندن تظهر عبقرية مصطفى سعيد ويصبح محاضرا في الاقتصاد بجامعات لندن، اجتذب النساء البريطانيات وأقام علاقات متعددة معهن وبهرهن بحكاياته عن الشرق والغابات والحيوانات الإفريقية، أدمنت النساء سحر مصطفى سعيد ولم يستطعن التخلص من حبه سوى بالانتحار. إنه مرض الحب! عبّر مصطفى سعيد عن رفضه للاستعمار بالعنف الذي كان وسيلة للانتقام من الحضارة الغربية خاصة وأن هذا العنف اتّجه نحو النساء، باعتبارهنّ الطرف الأضعف في معادلة الصراع بين الشرق والغرب.
انتحل الأسماء ليوقع الأوروبيات في حبائله، وصار ينتقل من فريسة إلى أخرى وبسببه انتحرت ثلاث فتيات: آن، شيلا، ايزابيلا. وقتل هو زوجته "جين موريس" التي تحدته لمدة ثلاث سنوات وحين ملت من مطاردته قررت الزواج به.
يقول عن انتحار السيدات البريطانيات بسببه: "..وأنا فوق كل شئ مستعمر، إنني الدخيل الذي يجب ان يبت في أمره. إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة، وقعقعة سنابك خيل اللنبي وهي تطأ أرض القدس. إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوروبي الكبير الذي لم يشهد العالم مثيله من قبل، نعم يا سادتي، إنني جئتكم غازيا في عقر داركم. قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ".
ويؤكد قائلا:"..إلى أن يرث المستضعفون الأرض، وتُسَرّح الجيوش، ويرعى الحَمَل آمناً بجوار الذئب، ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح في النهر، إلى أن يأتي زمن السعادة هذا، سأظلّ أعبّر عن نفسي بهذه الطرق الملتوية".
ويتذكر قول القاضي قبل أن يصدر عليه الحكم في الأولد بيلي: "إنك يا مستر مصطفى سعيد، رغم تفوقك العلمي، رجل غبي. إن في تكوينك الروحي بقعة مظلمة، لذلك فإنك قد بددت أنبل طاقة يمنحها الله للناس: طاقة الحب".
حوكم مصطفى سعيد بتهمة قتل زوجته وقضى سبع سنوات في السجن عاد بعدها إلى السودان ليستقر في القرية ويتزوج حسنة بنت محمود وينجب طفلين ويزرع أرضه، عاد ليعيش حياة هادئة بعيدا عن الصخب والعنف.
انتحار أم غرق؟
تمضي أحداث الرواية ونتوقف عند موت مصطفى سعيد غرقا في احدى مرات فيضان النيل، هكذا رحل مصطفى سعيد، ويترك الطيب صالح للقارئ معرفة هو موت أم انتحار حيث يقول على لسان زوجته حين كانت تتحدث للراوي:
"كأنه كان يحس بدنو أجله، قبل موته بأسبوع رتب كل شئونه وقبل موته بيوم دعاني وحدثني بما عنده. أوصاني كثيرا على الولدين. أعطاني الرسالة المختومة بالشمع. قال لي. أعطها له إذا حدث شئ. وقال لي إذا حدث شئ فأنت تكون وصيا على الأولاد".
كان هناك رابط خفي يربط بين الراوي وبطل الرواية "مصطفى سعيد" تجعل كل منهما يفهم الآخر ويعرفه جيدا..قد يكون ذلك بسبب تجربة السفر لكل منهما إلى نفس المكان، وقد يكون خوف الراوي أن يصبح نسخة من مصطفى سعيد ويلاقي نفس مصيره وفي ذلك يتساءل الراوي: "...هل كان من المحتمل أن يحدث لي ما حدث لمصطفى سعيد؟ قال إنه أكذوبة؟ فهل أنا أيضاً أكذوبة؟".
يترك مصطفى سعيد رسالة للراوي يوصيه بزوجته وولده وكل ماله ، فهو يثق بأمانته . ونعرف من الخطاب أيضا ان مصطفى سعيد ترك للراوي مفتاح غرفة خاصة به فيقول: "...أعلم أنك تعاني من رغبة استطلاع مفرطة بشأني، الأمر الذي لا أجد له مبررا. فحياتي مهما كان من أمرها ليس فيها عظة أو عبرة لأحد".
يرحل الرواي إلى الخرطوم ليعاود عمله الذي كان قد بدأه هناك و للعيش مع زوجته و أولاده هناك تاركا تلك القرية التي يعود إليها بين الحين والآخر لزيارة أهله و السؤال عن شئون زوجة مصطفى سعيد وولديه.
مأساة في القرية
حسنة .. نهاية مؤلمة
بعد وفاة مصطفى سعيد ترفض حسنة بنت محمود الزواج فقد كانت متعلقة بزوجها الراحل ولكنها لم تستطع أن تصمد طويلا في وجه الأطماع المتزايدة من رجال القرية الذين يبدلون نساؤهم كما يبدلون أي شيء في منزلهم خاصة من "ود الريس" وهو رجل عجوز مزواج لا يتصور أن تكون المرأة لها رأي في زواجها خاصة إذا كانت أرملة ويتفق أن يتزوجها مع والدها رغما عنها، الأمر الذي أسفر في النهاية عن مأساة حيث قتلته حسنة وقتلت نفسها ورأت حينها أنها إذ ذاك تقتل العادات والتقاليد التي تجعل من المرأة مجرد متاع وظيفته إشباع الرجل فقط. ويصور الطيب صالح هذا المشهد بمأساوية شديدة. هذه الأحداث تجري في غياب الراوي في عمله بالخرطوم.
بعد عودته يُحمل الراوي نفسه مسئولية ما حدث لحسنة خاصة بعد أن علم أنها طلبت من جده في غيابه أن يعقد عليها فقط ويتركها مع ولديها لينقذها الأمر الذي رفضه الجد، ويكتشف الراوي انه أحب حسنة وكان بإمكانه أن ينقذها من مصيرها هذا.
ويحنق الراوي على مصطفى سعيد ويذهب إلى غرفته الخاصة ليطلع على ما فيها عازما على أن يحرقها بمحتوياتها.
وعندما يدخل الراوي غرفة مصطفى سعيد الخاصة التي تبلغه زوجته أنه كان يقضي بها وقتا طويلا ولا يسمح لأحد أن يدخلها يجدها غرفة مليئة بالكتب المتنوعة، ومحاولة لم تكتمل لمصطفى سعيد بأن يكتب مذكراته يشهد عليها دفتر تدوين له، بالإضافة إلى محاضرات عن الثورة الفرنسية، وصور عديدة للنساء اللاتي عرفهن في حياته.
وتنتهي الرواية بمقاومة الراوي للغرق فبعد أن قرر أن يُنهي حياته تراجع واختار أن يُكمل الحياة فيقول: "...فكرت أنني إذا مت في تلك اللحظة فإنني أكون قد مت كما ولدت، دون إرادتي. طول حياتي لم اختر ولم اقرر. إنني أقرر الآن أنني اختار الحياة. سأحيا لأن ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن لأن علي واجبات يجب ان أؤديها لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى. وإذا كنت لا أستطيع أن أغفر فسأحاول أن أنسى".
مع الرواية والبطل
يريد الطيب صالح أن يُشكل ملامح مصطفى سعيد عبر صفحات الرواية ليستنتجها القارئ كاملة بنفسه فهي صورة لا يعطيها لنا المؤلف، فنجد أن الراوي يلتقي أثناء سفره إلى الخرطوم بأحد زملاء مصطفى سعيد في الدراسة الذي يصفه بأنه أنبغ تلميذ كان في فصله ، بل ومن مهارته في نطق الانجليزية أسموه بخليط من الإعجاب والحقد "الإنجليزي الأسود".
ويبرز للرواي بعدا سياسيا في حياة مصطفى سعيد قائلا على لسان أحد أصدقائه : ".. كان أول سوداني تزوج إنجليزية، غريب أن أحدا هنا لا يذكره، مع أنه قام بدور خطير في مؤامرات الإنجليز في السودان في أواخر الثلاثينات. إنه من أخلص أعوانهم. وقد استخدمته وزارة الخارجية البريطانية في سفارات مريبة في الشرق الأوسط".
الطيب صالح
ونجد أن تأثيره وضح عند عودته لقريته فها هو محجوب أحد الفلاحين في القرية وصديق الراوي يصفه قائلا أنه كان عقلية واسعة فقد أشار علينا إقامة طاحونة للدقيق وفرت علينا أتعابا كثيرة، كان العمدة والتجار يكرهونه كراهية شديدة لأنه فتح عيون أهل البلد وأفسد عليهم أمرهم. ذلك هو الرجل الذي كان يستحق أن يكون وزيرا في الحكومة لو كان يوجد عدل في الدنيا.
ولكن يؤخذ على الرواية إسهاب الطيب صالح في الجنس بشكل غير موظف ولا يقبله العقل .. إذ أننا شعوب متدينة بطبيعتها، وليس من الشائع أن تسمع عن جلسة ريفية بها امرأة تجلس بين الرجال تشرب الخمر وتدخن وتتحدث بإباحية مفرطة ويشترك معها الرجال في حديث ماجن أفرد له الطيب صالح صفحات !! المسألة إذن لو جرت في الواقع لكانت شاذة، ولما استحقت كل هذه التفاصيل في السرد .
المؤلف في سطور
اعتبر الناقد صلاح فضل أن الطيب صالح هو "هدية السودان إلى العرب وإفريقيا والعالم".
ولد الطيب صالح عام 1929م، حصل من جامعة الخرطوم على درجة البكالوريوس في العلوم. ثم سافر إلى لندن حيث واصل دراسته، وغيّر تخصصه إلى دراسة الشئون الدولية.
عمل الطيب صالح لسنوات طويلة من حياته في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية، ثم عاد إلى السودان وعمل لفترة في الإذاعة السودانية، ثم هاجر إلى دولة قطر وعمل في وزارة إعلامها وكيلاً ومشرفاً على أجهزتها. ثم عمل بعد ذلك مديراً إقليمياً بمنظمة اليونسكو في باريس، وممثلاً لهذه المنظمة في الخليج العربي. من أهم مؤلفاته: عرس الزين، مريود، دومة ود حامد.
منقول من موقع محيط
"موسم الهجرة إلى الشمال".. ليل لا يعقبه نهار !
محيط – سميرة سليمان
غلاف الرواية
"إن موسم الهجرة إلى الشمال، كانت تحدياً للنظرة الاستشراقية.. إذ لا يجب أن نصير مسوخاً لآخرين.. لابد أن نتطور في إطار ما لدينا من سياق إسلامي تاريخي حضاري خصب".
هكذا يصف عبقري الرواية العربية السوداني الراحل مؤخرا الطيب صالح روايته الذائعة الصيت "موسم الهجرة إلى الشمال" الصادرة عن دار العودة ببيروت، والتي اختيرت كواحدة من أفضل مئة رواية في القرن العشرين وذلك على مستوى العالم العربي، وترجمت إلى كثير من اللغات الأجنبية وقرِّرت على طلاب بعض الجامعات العربية، و حضَّرت إحدى الباحثات في مجال علم النفس رسالة دكتوراة في هذه الرواية تحت عنوان "صراع المقهور مع السلطة ".
البداية
"عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنتُ خلالها أتعلّم في أوروبا. تعلمت الكثير وغاب عني الكثير، لكن تلك قصة أخرى".
هكذا تبدأ رواية الطيب صالح بعودة الراوي وهو طالب سوداني كان يدرس في لندن ويصف كيف استقبلته الوفود من أهالي قريته ليرحبوا بعودته سالما ولكنه يطالع بين الوجوه وجها غريبا لا يعرفه، وعند السؤال عنه يعرف أنه يُدعى "مصطفى سعيد" وهو رجل من الخرطوم جاء إلى القرية منذ خمس سنوات و اشترى أرضاً عمل بها ثم تزوج بإحدى بنات القرية و أنجب منها طفلين, وأجمع أهل القرية على أنه رجل صالح و طيب، ولكن أهل القرية لا يعرفون عنه الكثير.
يصف جد الراوي مصطفى سعيد قائلا: "..أن مصطفى طول إقامته في البلد، لم يبدو منه شئ منفر، وأنه يحضر صلاة الجمعة في المسجد بانتظام، وأنه يسارع "بذراعه وقدحه في الأفراح والأتراح".
سر يُكتشف
دعي الراوي ذات مساء إلى مجلس شراب في بيت صديقه منذ الطفولة "محجوب"، وكان مصطفى سعيد حاضرا، وبعد أن شربا قليلاً، بدأ مصطفى سعيد وقد أدار الخمر رأسه يهذي ويردد شعراً إنجليزياً بلهجة متقنة، الأمر الذي أثار فضول الراوي وجعله يسأل مصطفى سعيد عن سر شعره هذا، فدعاه في اليوم التالي ليخبره بكل شيء .. قصته، حياته، رحلته باتجاه الشمال، مغامراته العاطفية، تسببه بانتحار ثلاث نساء إنجليزيات, و قتل زوجته الإنجليزية أيضا....السجن، الضياع ..
وقص مصطفى سعيد على الراوي كيف أنه نشأ يتيما في الخرطوم وعاش مع والدته فقط ولم يكن له أهل ويصف نفسه قائلا: "... منذ صغري، كنت أحس بأنني مختلف. أقصد أنني لست كبقية الأطفال في سني، لا أتأثر بشئ، لا أبكي إذا ضربت، لا أفرح إذا أثنى علىّ المدرس في الفصل، لا اتألم لما يتألم له الباقون. كنت مثل شئ مكور من المطاط، تلقيه في الماء فلا يبتل، ترميه على الأرض فيقفز".
ويمضي يحكي له عن محطات مهمة في حياته بدأت بدخوله المدرسة وتفوقه ونبوغه فيها فيقول: "..سرعان ما اكتشفت في عقلي مقدرة عجيبة على الحفظ والاستيعاب والفهم. اقرأ الكتاب فيرسخ جملة في ذهني. ما ألبث أن أركز عقلي في مشكلة الحساب حتى تنفتح لي مغالقها، تذوب بين يدي كأنها قطعة ملح وضعتها في الماء". ويحدثه عن تفوقه في اللغة الإنجليزية حتى أن ناظر المدرسة وكان إنجليزيا قال له: "هذه البلد لا تتسع لذهنك، فسافر. إذهب إلى مصر أو لبنان أو إنجلترا. ليس عندنا شئ نعطك إياه بعد الآن".
القاهرة ثم لندن
مكافأة لتفوقه سافر مصطفى سعيد إلى القاهرة ودخل مدرسة ثانوية مجانية هناك، ويروي مصطفى لحظة إخباره لأمه بسفره ووداعه لها قائلا: "..كان ذلك وداعنا. لا دموع ولا قبل ولا ضوضاء. مخلوقان سارا شطرا من الطريق معا، ثم سلك كل منهما سبيله".
كان في القاهرة على موعد للقاء مستر روبنسن وزوجته التي كانت تصفه بأنه إنسان خال تمام من المرح ولا يستطيع أن ينسى عقله أبدا، وبعد دراسته في القاهرة سافر إلى لندن في بعثة دراسية.
وفي طريقه إلى لندن يقول: "..فكرت في حياتي في القاهرة. لم يحدث شئ ليس في الحسبان. زادت معلوماتي. وحدثت لي أحداث صغيرة، وأحبتني زميلة لي ثم كرهتني وقالت لي: "أنت لست إنسانا. أنت آلة صماء".
محاكمة
في لندن تظهر عبقرية مصطفى سعيد ويصبح محاضرا في الاقتصاد بجامعات لندن، اجتذب النساء البريطانيات وأقام علاقات متعددة معهن وبهرهن بحكاياته عن الشرق والغابات والحيوانات الإفريقية، أدمنت النساء سحر مصطفى سعيد ولم يستطعن التخلص من حبه سوى بالانتحار. إنه مرض الحب! عبّر مصطفى سعيد عن رفضه للاستعمار بالعنف الذي كان وسيلة للانتقام من الحضارة الغربية خاصة وأن هذا العنف اتّجه نحو النساء، باعتبارهنّ الطرف الأضعف في معادلة الصراع بين الشرق والغرب.
انتحل الأسماء ليوقع الأوروبيات في حبائله، وصار ينتقل من فريسة إلى أخرى وبسببه انتحرت ثلاث فتيات: آن، شيلا، ايزابيلا. وقتل هو زوجته "جين موريس" التي تحدته لمدة ثلاث سنوات وحين ملت من مطاردته قررت الزواج به.
يقول عن انتحار السيدات البريطانيات بسببه: "..وأنا فوق كل شئ مستعمر، إنني الدخيل الذي يجب ان يبت في أمره. إنني أسمع في هذه المحكمة صليل سيوف الرومان في قرطاجة، وقعقعة سنابك خيل اللنبي وهي تطأ أرض القدس. إنهم جلبوا إلينا جرثومة العنف الأوروبي الكبير الذي لم يشهد العالم مثيله من قبل، نعم يا سادتي، إنني جئتكم غازيا في عقر داركم. قطرة من السم الذي حقنتم به شرايين التاريخ".
ويؤكد قائلا:"..إلى أن يرث المستضعفون الأرض، وتُسَرّح الجيوش، ويرعى الحَمَل آمناً بجوار الذئب، ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح في النهر، إلى أن يأتي زمن السعادة هذا، سأظلّ أعبّر عن نفسي بهذه الطرق الملتوية".
ويتذكر قول القاضي قبل أن يصدر عليه الحكم في الأولد بيلي: "إنك يا مستر مصطفى سعيد، رغم تفوقك العلمي، رجل غبي. إن في تكوينك الروحي بقعة مظلمة، لذلك فإنك قد بددت أنبل طاقة يمنحها الله للناس: طاقة الحب".
حوكم مصطفى سعيد بتهمة قتل زوجته وقضى سبع سنوات في السجن عاد بعدها إلى السودان ليستقر في القرية ويتزوج حسنة بنت محمود وينجب طفلين ويزرع أرضه، عاد ليعيش حياة هادئة بعيدا عن الصخب والعنف.
انتحار أم غرق؟
تمضي أحداث الرواية ونتوقف عند موت مصطفى سعيد غرقا في احدى مرات فيضان النيل، هكذا رحل مصطفى سعيد، ويترك الطيب صالح للقارئ معرفة هو موت أم انتحار حيث يقول على لسان زوجته حين كانت تتحدث للراوي:
"كأنه كان يحس بدنو أجله، قبل موته بأسبوع رتب كل شئونه وقبل موته بيوم دعاني وحدثني بما عنده. أوصاني كثيرا على الولدين. أعطاني الرسالة المختومة بالشمع. قال لي. أعطها له إذا حدث شئ. وقال لي إذا حدث شئ فأنت تكون وصيا على الأولاد".
كان هناك رابط خفي يربط بين الراوي وبطل الرواية "مصطفى سعيد" تجعل كل منهما يفهم الآخر ويعرفه جيدا..قد يكون ذلك بسبب تجربة السفر لكل منهما إلى نفس المكان، وقد يكون خوف الراوي أن يصبح نسخة من مصطفى سعيد ويلاقي نفس مصيره وفي ذلك يتساءل الراوي: "...هل كان من المحتمل أن يحدث لي ما حدث لمصطفى سعيد؟ قال إنه أكذوبة؟ فهل أنا أيضاً أكذوبة؟".
يترك مصطفى سعيد رسالة للراوي يوصيه بزوجته وولده وكل ماله ، فهو يثق بأمانته . ونعرف من الخطاب أيضا ان مصطفى سعيد ترك للراوي مفتاح غرفة خاصة به فيقول: "...أعلم أنك تعاني من رغبة استطلاع مفرطة بشأني، الأمر الذي لا أجد له مبررا. فحياتي مهما كان من أمرها ليس فيها عظة أو عبرة لأحد".
يرحل الرواي إلى الخرطوم ليعاود عمله الذي كان قد بدأه هناك و للعيش مع زوجته و أولاده هناك تاركا تلك القرية التي يعود إليها بين الحين والآخر لزيارة أهله و السؤال عن شئون زوجة مصطفى سعيد وولديه.
مأساة في القرية
حسنة .. نهاية مؤلمة
بعد وفاة مصطفى سعيد ترفض حسنة بنت محمود الزواج فقد كانت متعلقة بزوجها الراحل ولكنها لم تستطع أن تصمد طويلا في وجه الأطماع المتزايدة من رجال القرية الذين يبدلون نساؤهم كما يبدلون أي شيء في منزلهم خاصة من "ود الريس" وهو رجل عجوز مزواج لا يتصور أن تكون المرأة لها رأي في زواجها خاصة إذا كانت أرملة ويتفق أن يتزوجها مع والدها رغما عنها، الأمر الذي أسفر في النهاية عن مأساة حيث قتلته حسنة وقتلت نفسها ورأت حينها أنها إذ ذاك تقتل العادات والتقاليد التي تجعل من المرأة مجرد متاع وظيفته إشباع الرجل فقط. ويصور الطيب صالح هذا المشهد بمأساوية شديدة. هذه الأحداث تجري في غياب الراوي في عمله بالخرطوم.
بعد عودته يُحمل الراوي نفسه مسئولية ما حدث لحسنة خاصة بعد أن علم أنها طلبت من جده في غيابه أن يعقد عليها فقط ويتركها مع ولديها لينقذها الأمر الذي رفضه الجد، ويكتشف الراوي انه أحب حسنة وكان بإمكانه أن ينقذها من مصيرها هذا.
ويحنق الراوي على مصطفى سعيد ويذهب إلى غرفته الخاصة ليطلع على ما فيها عازما على أن يحرقها بمحتوياتها.
وعندما يدخل الراوي غرفة مصطفى سعيد الخاصة التي تبلغه زوجته أنه كان يقضي بها وقتا طويلا ولا يسمح لأحد أن يدخلها يجدها غرفة مليئة بالكتب المتنوعة، ومحاولة لم تكتمل لمصطفى سعيد بأن يكتب مذكراته يشهد عليها دفتر تدوين له، بالإضافة إلى محاضرات عن الثورة الفرنسية، وصور عديدة للنساء اللاتي عرفهن في حياته.
وتنتهي الرواية بمقاومة الراوي للغرق فبعد أن قرر أن يُنهي حياته تراجع واختار أن يُكمل الحياة فيقول: "...فكرت أنني إذا مت في تلك اللحظة فإنني أكون قد مت كما ولدت، دون إرادتي. طول حياتي لم اختر ولم اقرر. إنني أقرر الآن أنني اختار الحياة. سأحيا لأن ثمة أناس قليلين أحب أن أبقى معهم أطول وقت ممكن لأن علي واجبات يجب ان أؤديها لا يعنيني إن كان للحياة معنى أو لم يكن لها معنى. وإذا كنت لا أستطيع أن أغفر فسأحاول أن أنسى".
مع الرواية والبطل
يريد الطيب صالح أن يُشكل ملامح مصطفى سعيد عبر صفحات الرواية ليستنتجها القارئ كاملة بنفسه فهي صورة لا يعطيها لنا المؤلف، فنجد أن الراوي يلتقي أثناء سفره إلى الخرطوم بأحد زملاء مصطفى سعيد في الدراسة الذي يصفه بأنه أنبغ تلميذ كان في فصله ، بل ومن مهارته في نطق الانجليزية أسموه بخليط من الإعجاب والحقد "الإنجليزي الأسود".
ويبرز للرواي بعدا سياسيا في حياة مصطفى سعيد قائلا على لسان أحد أصدقائه : ".. كان أول سوداني تزوج إنجليزية، غريب أن أحدا هنا لا يذكره، مع أنه قام بدور خطير في مؤامرات الإنجليز في السودان في أواخر الثلاثينات. إنه من أخلص أعوانهم. وقد استخدمته وزارة الخارجية البريطانية في سفارات مريبة في الشرق الأوسط".
الطيب صالح
ونجد أن تأثيره وضح عند عودته لقريته فها هو محجوب أحد الفلاحين في القرية وصديق الراوي يصفه قائلا أنه كان عقلية واسعة فقد أشار علينا إقامة طاحونة للدقيق وفرت علينا أتعابا كثيرة، كان العمدة والتجار يكرهونه كراهية شديدة لأنه فتح عيون أهل البلد وأفسد عليهم أمرهم. ذلك هو الرجل الذي كان يستحق أن يكون وزيرا في الحكومة لو كان يوجد عدل في الدنيا.
ولكن يؤخذ على الرواية إسهاب الطيب صالح في الجنس بشكل غير موظف ولا يقبله العقل .. إذ أننا شعوب متدينة بطبيعتها، وليس من الشائع أن تسمع عن جلسة ريفية بها امرأة تجلس بين الرجال تشرب الخمر وتدخن وتتحدث بإباحية مفرطة ويشترك معها الرجال في حديث ماجن أفرد له الطيب صالح صفحات !! المسألة إذن لو جرت في الواقع لكانت شاذة، ولما استحقت كل هذه التفاصيل في السرد .
المؤلف في سطور
اعتبر الناقد صلاح فضل أن الطيب صالح هو "هدية السودان إلى العرب وإفريقيا والعالم".
ولد الطيب صالح عام 1929م، حصل من جامعة الخرطوم على درجة البكالوريوس في العلوم. ثم سافر إلى لندن حيث واصل دراسته، وغيّر تخصصه إلى دراسة الشئون الدولية.
عمل الطيب صالح لسنوات طويلة من حياته في القسم العربي لهيئة الإذاعة البريطانية، ثم عاد إلى السودان وعمل لفترة في الإذاعة السودانية، ثم هاجر إلى دولة قطر وعمل في وزارة إعلامها وكيلاً ومشرفاً على أجهزتها. ثم عمل بعد ذلك مديراً إقليمياً بمنظمة اليونسكو في باريس، وممثلاً لهذه المنظمة في الخليج العربي. من أهم مؤلفاته: عرس الزين، مريود، دومة ود حامد.
منقول من موقع محيط
#5
تم الارسال 2-05-2009 6:45 PM
صلاح نيازي
قبل النظر في مغاليق هذه الرواية المرمّزة، قد يكون من المفيد، أن نضع نُصْب أعيننا حقيقتيْن: الأولى هي أنّ الطيّب صالح، شأنه شأن راويته في" موسم الهجرة إلى الشمال"، وشأن مصطفى سعيد، البطل الثاني للرواية، درس في نشأته الأولى اللغة الإنكليزية، على يد أساتذة
إنكليز كأساسٍ ثقافي قبل أن يطّلع على الأدب العربي.
لهذه الحقيقة تداعيات مهمّة كما سنرى.
الحقيقة الثانية، هي أنّ الرواية وإن تذرّعت الأجواء السودانية المحلية، إلاّ أنها مشحونة بالثقافة الأوربية، ولا سيّما المسرحيّات الشيكسبيرية، وكأنّ كاتبها يحلّل أدواء البيئة المحلية في مختبر علمي مجلوب. (كان رجال القرية، يسمّون مصطفى سعيد: الإنكليزي الأسود).
تعلّم الطيب صالح فينشأته الأولى، القراءة التحليلية، تشخيصاً وتمحيصاً، وقد آنعكس هذا في بناء شخوصه، وفي محاولة فهم تصرفاتهم فهماً سايكولوجيّاً. على هذا فإنّه يبذر في البداية، بذرة صغيرة، ثمّ يتابعها مرحلة مرحلة، مختبريّاً. إنّه لا يعطيك رأياً شاملاً واحداً بمصطفى سعيد مثلاً، ولكنّه يجمّعه لَبِنةً لَبِنة ومن وجهات نظر مختلفة.
على عكس ذلك ينشأ الطفل العربي، لأن التعليم في مدارسنا معنيّ بالحشو والآستظهار. معنيّ بالحصاد، أكثر مما هو معنيّ بالبذار.
على أية حال، ليست هذه الملاحظات، دراسة مكرّسة للرواية، بقدر ما هي تتبّع لأبطال بعض الروايات الآغترابية، وكيف تكيّفوا للعيش بأوروبا، وكيف تفاعلوا مع بيئاتهم الأصلية.
يختلف راوية موسم الهجرة للشمال، وخاصّة مصطفى سعيد، عن كلّ الأبطال الآخرين، في الروايات الآغترابية، في أنّه كان يتقن اللغة الإنكليزية، وآدابها، حتى قبل ذهابه إلى لندن.
وَصَفَهُ موظّفٌ متقاعد مرّة:"كان أنبغ تلميذ في أيّامنا... معجزة في ذلك الوقت، كان أشهر طالب في كلية غردون... نابغة في كلّ شئ، لا يوجد شئ يستعصي على ذهنه العجيب. كان المدرسون يكلموننا بلهجة ويكلمونه بلهجة، وخصوصاً مدرسو اللغة الإنكليزية، كانوا كأنما يلقون الدرس له وحده دون بقية التلاميذ...نحن كنّا ننطق الكلمات الإنكليزية كأنها كلمات عربية. لا نستطيع أن نسكّن حرفيْن متتالييْن. أما مصطفى سعيد فقد كان يعوج فمه، ويمطّ شفتيه، وتخرج الكلمات من فمه كما تخرج من أفواه أهلها..".
لنتوقفْ قليلاً، عند أشهرِ مشهدٍ مأساويّ في مسرحية عطيل، ألا وهو مشهد المنديل وقتْل دزدمونه، وكيف تفاعل معه الطيّب.
يظهر آسم عطيل في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، ربّما لأوّل مرّة، حين يتعرّف مصطفى سعيد، على فتاة آسمها: إيزابيلا سيمور، و"نوعها كثير بأوروبا، نساء لا يعرفن الخوف، يقبلْنَ على الحياة بمرح وحبّ آستطلاع. وأنا صحراء الظمأ، متاهة الرغائب الجنونية.. وجاءت لحظة أحسست فيها أنني آنقلبتُ في نظرها مخلوقاً بدائياً عارياً، يمسك بيده رمحاً، وبالأخرى نشّاباً يصيد الفيلة والأسود في الأدغال. هذا حسن. لقد تحوّل حبّ الآستطلاع إلى مرح، وتحوّل المرح إلى عطف، وحين أحرّك البركة الساكنة في الأعماق سيستحيل العطف إلى رغبة أعزف على أوتارها المشدودة، كما يحلو لي. وسألتني:"ما جنسك؟ هل أنت أفريقي أم آسيوي؟ قلتُ لها: أنا مثل عطيل. عربي أفريقي".
هذه بالضبط الطريقة المختبرية، وكأن المراحل مواد كيمياوية يولّد بعضها بعضاً. الصورة البدائية العارية للصياد، ولّدت حبّ الاستطلاع، الذي ولّد بدوره، المرح. المرح ولّد العطف. النتيجة جاءت كما أرادها مصطفى سعيد،لأنّه إنْ هو حرّك الآن "البركة الساكنة في الأعماق سيستحيل العطف إلى رغبة أعزف على أوتارها المشدودة، كما يحلو لي".
لا شكّ، إن البناء هنا ليس آعتباطاً يتولد بالصدفة، أي ليس أشجاراً نامية في مكانٍ ماللا سبب، وإنما هي أشجار مستنبتة ومُمَكْننة إنْ صحّ التعبير.
ثمّ هل التعبير: "أوتارها المشدودة " صيغة عربية متوارثة؟ لا أدري لماذا تذكّرنيهذه الأوتار، بوترالليدي مكبث وهي تحثّ مكبث على قتل الملك دنْكنْ. كان مكبث خائفاً من إخفاق خطّة قتل الملك، فقالت:
ـــ "نخفق؟
حسبك أن تشدّ وتر شجاعتك إلى منزع القوس
ولنْ نُخْفِق"
تتقارب الصورتان لأنهما تؤديان إلى الصيد، والدم.
أكثر من ذلك، يقول مصطفى سعيد، في مناسبة أخرى:"أنا لستُ عطيلاً. عطيل كان أكذوبة". هل كان مصطفى سعيد، عطيلاً حقيقياً إذن، أم تمويهاً واقعياً؟ قال:
"كنتُ أعلم أنها تخونني. كان البيت كلّه يفوح بريح الخيانة. وجدتُ مرّة منديل رجل، لم يكنْ منديلي. سألتها فقالت: إنّه منديلك. قلتُ لها هذا المنديل ليس منديلي. قالت:هبْ أنه ليس منديلك. ماذا أنت فاعل؟:
"...وضعتُ حدّ الخنجر بين نهديها، وشبكتْ هي رجليْها حول ظهري. ضغطتُ ببطء. ببطء. فتحتْ عينيها. أيّ نشوة في هذه العيون. وبدتْ لي أجمل من كلّ شئ في الوجود. قالتْ بألم: يا حبيبي. ظننتُ أنّك لن تفعل هذا أبداً. كدتُ أيأس منك. وضغطتُ الخنجر بصدري حتى غاب كلّه في صدرها بين النهدين. وأحسستُ بدمها الحار يتفجّر من صدرها. وأخذت أدعك صدرها بصدري وهي تصرخ متوسّلة: تعال معي. تعال. لا تدعْني أذهب وحدي".
ثمة مقابسة ثقافية آخرى من التصورات الشيكسبيرية، في رواية موسم الهجرة للشمال ولا سيّماالتصورات النهرية في مسرحية مكبث. هنا كما في مسرحياته الأخرى عموماً تشكّل الأنهار لدى شيكسبير رمزاً للموت، وأشهر تلك الأنهار إطلاقاً هو النهر الصغير الذي غرقتأو انتحرتْ فيه أوفيليا. (كذلك مصطفى سعيد، ما من أحد يعرف هل غَرِقَ أم آنتحر). يقول مصطفى سعيد، بعد أن آستدرج إيزابيلا سيمور إلى الحديث عن نهر النيل:"الطائر يا مصطفى سعيد قد وقع في الشرك. النيل، ذلك الإله الأفعى، قد فاز بضحية جديدة".
نصادف أوّل الصور النهرية، في مسرحية مكبث، في المشهد الثاني – الفصل الأوّل، حينما روى أحد الضباط للملك دنكن عن سير المعركة، فقال:
"سجالاً كانت تدور،
مثْل سبّاحيْن منهكيْن، يشتبكان بالتحام
فيخنقان فنّهما في السباحة..."
تبلغ المأساة ذروتها، حينما تكون مثل نهر، يخوض فيه المرء الشقيّ إلى منتصفه فلا هو قادر على إكمال العبور ولا هو قادر على النكوص. قال مكبث مشبّهاً جريان الدم بالنهر:
"لقد خضتُ
في الدم بعيدا، وحتى لو لم أمضِ أبعدَ
فإنّ الرجوع صعب مثل المضي إلى الضفّة الأخرى"
وصف راوية موسم الهجرة إلى الشمال،غرقه الفاجع، (وهو بالمناسبة، لا يقلّ عمقاً، ونفاذاً ومهارة عن وصف دستويفسكي لحالة الصرع، ووصف توماس دي كوينسي لمراحل انتشار الخدر في خلايا الدماغ، وبالتالي الجسد، بعد أكل الأفيون):
"وصلتُ إلى نقطة أحسست فيها أنّ قوى النهر تشدّني إليها. سرى الخدر في ساقي وفي ذراعي... وفجأةوبقوّة لا أدري من أين جاءتني، رفعت قامتي في الماء...تلفتّ يمنة ويسرة، فإذا أنا في منتصف الطريق بين الشمال والجنوب. لن أستطيع المضي ولن أستطيع العودة...".
ما دمنا في أتّون التأثّر والتأثير، نلحظ في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، لازمة تتكرّر، هي أنّ مصطفى سعيد لا وجود له، إنّه أكذوبة.و الراويةنفسه أكذوبة أخرى. فحينما كان مصطفى سعيد، يستمع إلى ماجريات محاكمته، وكيف حاول أستاذه، بروفسورماكسويل فستر كين أن يخلصه من المشنقة، خطر بباله أن يقف ويصرخ في المحكمة: "هذا المصطفى سعيد لا وجود له. إنّه وهم، أكذوبة. وإنني أطلب منكم أن تحكموا بقتل الأكذوبة... وخطر لي أن أقف وأقول لهم "هذا زور وتلفيق. قتلتهما أنا. أنا صحراء الظمأ...لماذا لا تحكمون بشنقي فتقتلون الأكذوبة".
في مناسبة أخرى، يتذكّر الراوية، مصطفى سعيد بعد آختفائه، كيف كان يقرأ شعراً إنكليزياً:
هؤلاء نساء فلاندرز
ينتظرن الضائعين،
ينتظرن الضائعين الذين أبداً لن يغادروا الميناء
ينتظرن الضائعين الذين أبداً لن يجئ بهم القطار
إلى أحضان هؤلاء النسوة، ذوات الوجوه الميتة
ينتظرن الضائعين، الذين يرقدون موتى في الخندق
والحاجز والطين في ظلام الليل
هذه محطة تشارنغ كروس. الساعة جاوزت الواحدة.
ثمة ضوء قليل
ثمّة ألمٌ عظيم".
قال الراوية:"ضوء المصباح ينعكس على وجهه، وعيناه سارحتان كما خُيّل لي في آفاق داخل نفسه. والظلام حولنا في الخارج كأنّه قوى شيطانية تتضافر على خنق ضوء ذلك المصباح. أحياناً تخطر لي فجأة تلك الفكرة المزعجة أنّ مصطفى سعيد لم يحدث إطلاقاً، وانه فعلاً أكذوبة، أو طيف أوحلم، أو كابوس، ألمّ بأهل تلك القرية تلك، ذات ليلة داكنة خانقة، ولمّا فتحوا أعينهم مع ضوء الشمس لم يروه".
لكنْ على أيّ محملٍ يُحمل الآقتباس أعلاه؟ مصطفى سعيد كان من لحمٍ ودم. له زوجة، ووَلَدان. له بيت يزار، وجواز سفر. أكثر من ذلك حوكم ودخل السجن. فكيف يكون أكذوبة؟
قد يكون أكذوبة فعلاً، إذا فكّرنا في الخرافات العربية القديمة، حيث يتزوج الجنّ من النساء، كما في القصة المشهورة عن" آمرأة آسمهاحَبّة التي علقها رجل من الجنّ، يُقال له آبن منظور.(عن آبن جنّي في تفسير البيتيْ التاليين):
أعينيّ! ساء الله مَنْ كان سرُّهُ
بكاؤكما أو مَنْ يُحبّ أذاكما
ولو أنّ منظوراً وحبّة أُسْلِما
لنزع القذى لم يُبْرِئا لي قذاكما"
لا يمكن أن يجنح خيال الطيب صالح إلى تلك المنتجعات الخرافية، وهو يعالج أشقّ موضوع نفسيّ جادّ. يقول مصطفى سعيد: "...ولكنْ إلى أن يرث المستضعفون الأرض، وتُسَرّح الجيوش، ويرعى الحَمَل آمناً بجوار الذئب، ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح في النهر، إلى أن يأتي زمن السعادة هذا، سأظلّ أعبّر عن نفسي بهذه الطرق الملتوية".
هل ثمة تشابه بين أبطال موسم الهجرة إلى الشمال، والمسرح الأليزابيثي عموماً؟ يتفق النقّاد، على أن القوى الخفية هي التي تحرّك شخوص مسرحيّات شيكسبير. وما هُمْ إلاّ تجسيد لأفكار. هل، بالمثل ثمّة قوى خفية في موسم الهجرة إلى الشمال، وما مصطفى سعيد وسواه سوى أوعيةتتجسّد فيهاِ معتقدات بعينها، أو هُمْ وسائط لنقلها؟
يبدو أنّ للطيب صالح تصوّراً فلسفيّاً للتاريخ خاصّاً جدّاً، وهو الذي أعطى لهذه الرواية، بعداً جغرافيّاً، وعمقاً تأريخياً في أعماق النفس، عزّ نظيرهما. يتصوّر الطيّب أنّ المجتمات البشرية في انتقال دائم، وإنْ لم يكونوا بالضرورة بدواً رُحّلاً. فالسوداني لم ينبت سودانياً كشجرة ثابتة، ولا المصري ولا العراقي ولا الأوروبي. بكلمات أخرى قد ينحدر الإنسان إلى أصول مختلفة، وإن حمل سحنة ولغة البلد الذي يسكن فيه حاليّاً.طرح الطيب هذه الفكرة على حياء أوّلاً قبل أن يوظفها مصطفى سعيد، في أحابيله العاطفية.
يقول مصطفى سعيد واصفاً إيزابيلا سيمور في لقائهما الأوّل:"عادت النظرة الحانية إلى عينيها، ومدّت يدها فأمسكت يدي وقالت:هل تدري أنّ أمّي إسبانية؟". قال لها مصطفى سعيد: "هذا إذن يفسّر كل شئ. يفسّر لقاءنا صدفة، وتفاهمنا تلقائيّاً، كأننا تعارفنا منذ قرون. لا بدّ أنّ جدّي كان جنديّاً في جيش طارق بن زياد، ولا بدّ أنّه قابل جدّتك وهي تجني العنب في بستان بأشبيلية. ولا بدّ أنّه أحبها من أوّل نظرة، وهي أيضاً أحبّته، وعاش معها فترة ثمّ تركها وذهب إلى أفريقيا، وهناك تزوج وخرجت أنا من سلالته بأفريقيا، وأنت جئت من سلالته بأسبانيا".
في مرّة أخرى، ذكرمصطفى سعيد، كيف التقى بسوسن إثر محاضرة ألقاها بأكسفورد عن أبي نواس. " وفجأة رأيت فتاة في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة تثب نحوي وثباً مخترقة الصفوف، وطوّقتني بذراعيها وقبلتني، وقالت باللغة العربية:أنت جميل تجلّ عن الوصف. وأنا أحبك حبّاً يجلّ عن الوصف. قلت لها بعاطفة أخافتني حدّتها: وأخيراً وجدتك يا سوسن. إنني أبحث عنك في كلّ مكان، وخفت ألاّ أجدك أبداً.هل تذكرين؟ قالت بعاطفة لا تقلّ عن عاطفتي حدّة: كيف أنسى دارنا في الكرخ ببغداد على ضفة نهردجلة أيّام المأمون؟ أنا أيضا آقتفيت أثرك عبر القرون...لم تتغيرْ منذ آفترقنا"
قد يكون هذا الماضي –على جدّيته – تصوّراً رومانسيّاً. ولكنّه أصبح أكبر قوّة محرّكة عمّت جميع أجزاء الرواية. آرتبط الأمن في بداية الرواية بثبات الماضي.تبدأ الرواية على المثابة التالية:"عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنتُ خلالها أتعلّم بأوروبا..."
يوحي تعبير:"يا سادتي" على أنّ الراوية أصبح صوتاً تأريخياً، يخاطب كلّ شخص ولا يخاطب أحداً. جعلنا الراوية نظّارة في مسرح، نعاصر أحداثاً قديمة. نحن خارجها وداخلها في آن واحد. في اليوم التالي يرخي الراوية أذنيه لصوت الريح، وكأنّ الريح رمز لمجرى الأحداث. ثمّ يقول:"نظرتُ من خلال النافذة إلى النخلة القائمة في فناء دارنا، فعلمت أنّ الحياة ما تزال بخير".
لم تكن النخلة، وهي ربما رمز للسودان، وحدها ملهمة للطمأنينة والأمن، جدّه كذلك. إنّه خزين الماضي ومستودع أسراره. يقول الراوية:"أذهب إلى جدّي، فيحدّثني عن الحياة قبل أربعين عاماً، قبل خمسين عاماً، لا بل ثمانين، فيقوى إحساسي بالأمن. كنت أحبّ جدّي، ويبدو أنّه يؤثرني. ولعلّ أحد أسباب صداقتي معه، أنني كنت منذ صغري تشخذ خيالاتي حكايات الماضي...ولمّا سافرت خفتُ أنّه يموت في غيبتي.
منقول من موقع المدى
قبل النظر في مغاليق هذه الرواية المرمّزة، قد يكون من المفيد، أن نضع نُصْب أعيننا حقيقتيْن: الأولى هي أنّ الطيّب صالح، شأنه شأن راويته في" موسم الهجرة إلى الشمال"، وشأن مصطفى سعيد، البطل الثاني للرواية، درس في نشأته الأولى اللغة الإنكليزية، على يد أساتذة
إنكليز كأساسٍ ثقافي قبل أن يطّلع على الأدب العربي.
لهذه الحقيقة تداعيات مهمّة كما سنرى.
الحقيقة الثانية، هي أنّ الرواية وإن تذرّعت الأجواء السودانية المحلية، إلاّ أنها مشحونة بالثقافة الأوربية، ولا سيّما المسرحيّات الشيكسبيرية، وكأنّ كاتبها يحلّل أدواء البيئة المحلية في مختبر علمي مجلوب. (كان رجال القرية، يسمّون مصطفى سعيد: الإنكليزي الأسود).
تعلّم الطيب صالح فينشأته الأولى، القراءة التحليلية، تشخيصاً وتمحيصاً، وقد آنعكس هذا في بناء شخوصه، وفي محاولة فهم تصرفاتهم فهماً سايكولوجيّاً. على هذا فإنّه يبذر في البداية، بذرة صغيرة، ثمّ يتابعها مرحلة مرحلة، مختبريّاً. إنّه لا يعطيك رأياً شاملاً واحداً بمصطفى سعيد مثلاً، ولكنّه يجمّعه لَبِنةً لَبِنة ومن وجهات نظر مختلفة.
على عكس ذلك ينشأ الطفل العربي، لأن التعليم في مدارسنا معنيّ بالحشو والآستظهار. معنيّ بالحصاد، أكثر مما هو معنيّ بالبذار.
على أية حال، ليست هذه الملاحظات، دراسة مكرّسة للرواية، بقدر ما هي تتبّع لأبطال بعض الروايات الآغترابية، وكيف تكيّفوا للعيش بأوروبا، وكيف تفاعلوا مع بيئاتهم الأصلية.
يختلف راوية موسم الهجرة للشمال، وخاصّة مصطفى سعيد، عن كلّ الأبطال الآخرين، في الروايات الآغترابية، في أنّه كان يتقن اللغة الإنكليزية، وآدابها، حتى قبل ذهابه إلى لندن.
وَصَفَهُ موظّفٌ متقاعد مرّة:"كان أنبغ تلميذ في أيّامنا... معجزة في ذلك الوقت، كان أشهر طالب في كلية غردون... نابغة في كلّ شئ، لا يوجد شئ يستعصي على ذهنه العجيب. كان المدرسون يكلموننا بلهجة ويكلمونه بلهجة، وخصوصاً مدرسو اللغة الإنكليزية، كانوا كأنما يلقون الدرس له وحده دون بقية التلاميذ...نحن كنّا ننطق الكلمات الإنكليزية كأنها كلمات عربية. لا نستطيع أن نسكّن حرفيْن متتالييْن. أما مصطفى سعيد فقد كان يعوج فمه، ويمطّ شفتيه، وتخرج الكلمات من فمه كما تخرج من أفواه أهلها..".
لنتوقفْ قليلاً، عند أشهرِ مشهدٍ مأساويّ في مسرحية عطيل، ألا وهو مشهد المنديل وقتْل دزدمونه، وكيف تفاعل معه الطيّب.
يظهر آسم عطيل في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، ربّما لأوّل مرّة، حين يتعرّف مصطفى سعيد، على فتاة آسمها: إيزابيلا سيمور، و"نوعها كثير بأوروبا، نساء لا يعرفن الخوف، يقبلْنَ على الحياة بمرح وحبّ آستطلاع. وأنا صحراء الظمأ، متاهة الرغائب الجنونية.. وجاءت لحظة أحسست فيها أنني آنقلبتُ في نظرها مخلوقاً بدائياً عارياً، يمسك بيده رمحاً، وبالأخرى نشّاباً يصيد الفيلة والأسود في الأدغال. هذا حسن. لقد تحوّل حبّ الآستطلاع إلى مرح، وتحوّل المرح إلى عطف، وحين أحرّك البركة الساكنة في الأعماق سيستحيل العطف إلى رغبة أعزف على أوتارها المشدودة، كما يحلو لي. وسألتني:"ما جنسك؟ هل أنت أفريقي أم آسيوي؟ قلتُ لها: أنا مثل عطيل. عربي أفريقي".
هذه بالضبط الطريقة المختبرية، وكأن المراحل مواد كيمياوية يولّد بعضها بعضاً. الصورة البدائية العارية للصياد، ولّدت حبّ الاستطلاع، الذي ولّد بدوره، المرح. المرح ولّد العطف. النتيجة جاءت كما أرادها مصطفى سعيد،لأنّه إنْ هو حرّك الآن "البركة الساكنة في الأعماق سيستحيل العطف إلى رغبة أعزف على أوتارها المشدودة، كما يحلو لي".
لا شكّ، إن البناء هنا ليس آعتباطاً يتولد بالصدفة، أي ليس أشجاراً نامية في مكانٍ ماللا سبب، وإنما هي أشجار مستنبتة ومُمَكْننة إنْ صحّ التعبير.
ثمّ هل التعبير: "أوتارها المشدودة " صيغة عربية متوارثة؟ لا أدري لماذا تذكّرنيهذه الأوتار، بوترالليدي مكبث وهي تحثّ مكبث على قتل الملك دنْكنْ. كان مكبث خائفاً من إخفاق خطّة قتل الملك، فقالت:
ـــ "نخفق؟
حسبك أن تشدّ وتر شجاعتك إلى منزع القوس
ولنْ نُخْفِق"
تتقارب الصورتان لأنهما تؤديان إلى الصيد، والدم.
أكثر من ذلك، يقول مصطفى سعيد، في مناسبة أخرى:"أنا لستُ عطيلاً. عطيل كان أكذوبة". هل كان مصطفى سعيد، عطيلاً حقيقياً إذن، أم تمويهاً واقعياً؟ قال:
"كنتُ أعلم أنها تخونني. كان البيت كلّه يفوح بريح الخيانة. وجدتُ مرّة منديل رجل، لم يكنْ منديلي. سألتها فقالت: إنّه منديلك. قلتُ لها هذا المنديل ليس منديلي. قالت:هبْ أنه ليس منديلك. ماذا أنت فاعل؟:
"...وضعتُ حدّ الخنجر بين نهديها، وشبكتْ هي رجليْها حول ظهري. ضغطتُ ببطء. ببطء. فتحتْ عينيها. أيّ نشوة في هذه العيون. وبدتْ لي أجمل من كلّ شئ في الوجود. قالتْ بألم: يا حبيبي. ظننتُ أنّك لن تفعل هذا أبداً. كدتُ أيأس منك. وضغطتُ الخنجر بصدري حتى غاب كلّه في صدرها بين النهدين. وأحسستُ بدمها الحار يتفجّر من صدرها. وأخذت أدعك صدرها بصدري وهي تصرخ متوسّلة: تعال معي. تعال. لا تدعْني أذهب وحدي".
ثمة مقابسة ثقافية آخرى من التصورات الشيكسبيرية، في رواية موسم الهجرة للشمال ولا سيّماالتصورات النهرية في مسرحية مكبث. هنا كما في مسرحياته الأخرى عموماً تشكّل الأنهار لدى شيكسبير رمزاً للموت، وأشهر تلك الأنهار إطلاقاً هو النهر الصغير الذي غرقتأو انتحرتْ فيه أوفيليا. (كذلك مصطفى سعيد، ما من أحد يعرف هل غَرِقَ أم آنتحر). يقول مصطفى سعيد، بعد أن آستدرج إيزابيلا سيمور إلى الحديث عن نهر النيل:"الطائر يا مصطفى سعيد قد وقع في الشرك. النيل، ذلك الإله الأفعى، قد فاز بضحية جديدة".
نصادف أوّل الصور النهرية، في مسرحية مكبث، في المشهد الثاني – الفصل الأوّل، حينما روى أحد الضباط للملك دنكن عن سير المعركة، فقال:
"سجالاً كانت تدور،
مثْل سبّاحيْن منهكيْن، يشتبكان بالتحام
فيخنقان فنّهما في السباحة..."
تبلغ المأساة ذروتها، حينما تكون مثل نهر، يخوض فيه المرء الشقيّ إلى منتصفه فلا هو قادر على إكمال العبور ولا هو قادر على النكوص. قال مكبث مشبّهاً جريان الدم بالنهر:
"لقد خضتُ
في الدم بعيدا، وحتى لو لم أمضِ أبعدَ
فإنّ الرجوع صعب مثل المضي إلى الضفّة الأخرى"
وصف راوية موسم الهجرة إلى الشمال،غرقه الفاجع، (وهو بالمناسبة، لا يقلّ عمقاً، ونفاذاً ومهارة عن وصف دستويفسكي لحالة الصرع، ووصف توماس دي كوينسي لمراحل انتشار الخدر في خلايا الدماغ، وبالتالي الجسد، بعد أكل الأفيون):
"وصلتُ إلى نقطة أحسست فيها أنّ قوى النهر تشدّني إليها. سرى الخدر في ساقي وفي ذراعي... وفجأةوبقوّة لا أدري من أين جاءتني، رفعت قامتي في الماء...تلفتّ يمنة ويسرة، فإذا أنا في منتصف الطريق بين الشمال والجنوب. لن أستطيع المضي ولن أستطيع العودة...".
ما دمنا في أتّون التأثّر والتأثير، نلحظ في رواية موسم الهجرة إلى الشمال، لازمة تتكرّر، هي أنّ مصطفى سعيد لا وجود له، إنّه أكذوبة.و الراويةنفسه أكذوبة أخرى. فحينما كان مصطفى سعيد، يستمع إلى ماجريات محاكمته، وكيف حاول أستاذه، بروفسورماكسويل فستر كين أن يخلصه من المشنقة، خطر بباله أن يقف ويصرخ في المحكمة: "هذا المصطفى سعيد لا وجود له. إنّه وهم، أكذوبة. وإنني أطلب منكم أن تحكموا بقتل الأكذوبة... وخطر لي أن أقف وأقول لهم "هذا زور وتلفيق. قتلتهما أنا. أنا صحراء الظمأ...لماذا لا تحكمون بشنقي فتقتلون الأكذوبة".
في مناسبة أخرى، يتذكّر الراوية، مصطفى سعيد بعد آختفائه، كيف كان يقرأ شعراً إنكليزياً:
هؤلاء نساء فلاندرز
ينتظرن الضائعين،
ينتظرن الضائعين الذين أبداً لن يغادروا الميناء
ينتظرن الضائعين الذين أبداً لن يجئ بهم القطار
إلى أحضان هؤلاء النسوة، ذوات الوجوه الميتة
ينتظرن الضائعين، الذين يرقدون موتى في الخندق
والحاجز والطين في ظلام الليل
هذه محطة تشارنغ كروس. الساعة جاوزت الواحدة.
ثمة ضوء قليل
ثمّة ألمٌ عظيم".
قال الراوية:"ضوء المصباح ينعكس على وجهه، وعيناه سارحتان كما خُيّل لي في آفاق داخل نفسه. والظلام حولنا في الخارج كأنّه قوى شيطانية تتضافر على خنق ضوء ذلك المصباح. أحياناً تخطر لي فجأة تلك الفكرة المزعجة أنّ مصطفى سعيد لم يحدث إطلاقاً، وانه فعلاً أكذوبة، أو طيف أوحلم، أو كابوس، ألمّ بأهل تلك القرية تلك، ذات ليلة داكنة خانقة، ولمّا فتحوا أعينهم مع ضوء الشمس لم يروه".
لكنْ على أيّ محملٍ يُحمل الآقتباس أعلاه؟ مصطفى سعيد كان من لحمٍ ودم. له زوجة، ووَلَدان. له بيت يزار، وجواز سفر. أكثر من ذلك حوكم ودخل السجن. فكيف يكون أكذوبة؟
قد يكون أكذوبة فعلاً، إذا فكّرنا في الخرافات العربية القديمة، حيث يتزوج الجنّ من النساء، كما في القصة المشهورة عن" آمرأة آسمهاحَبّة التي علقها رجل من الجنّ، يُقال له آبن منظور.(عن آبن جنّي في تفسير البيتيْ التاليين):
أعينيّ! ساء الله مَنْ كان سرُّهُ
بكاؤكما أو مَنْ يُحبّ أذاكما
ولو أنّ منظوراً وحبّة أُسْلِما
لنزع القذى لم يُبْرِئا لي قذاكما"
لا يمكن أن يجنح خيال الطيب صالح إلى تلك المنتجعات الخرافية، وهو يعالج أشقّ موضوع نفسيّ جادّ. يقول مصطفى سعيد: "...ولكنْ إلى أن يرث المستضعفون الأرض، وتُسَرّح الجيوش، ويرعى الحَمَل آمناً بجوار الذئب، ويلعب الصبي كرة الماء مع التمساح في النهر، إلى أن يأتي زمن السعادة هذا، سأظلّ أعبّر عن نفسي بهذه الطرق الملتوية".
هل ثمة تشابه بين أبطال موسم الهجرة إلى الشمال، والمسرح الأليزابيثي عموماً؟ يتفق النقّاد، على أن القوى الخفية هي التي تحرّك شخوص مسرحيّات شيكسبير. وما هُمْ إلاّ تجسيد لأفكار. هل، بالمثل ثمّة قوى خفية في موسم الهجرة إلى الشمال، وما مصطفى سعيد وسواه سوى أوعيةتتجسّد فيهاِ معتقدات بعينها، أو هُمْ وسائط لنقلها؟
يبدو أنّ للطيب صالح تصوّراً فلسفيّاً للتاريخ خاصّاً جدّاً، وهو الذي أعطى لهذه الرواية، بعداً جغرافيّاً، وعمقاً تأريخياً في أعماق النفس، عزّ نظيرهما. يتصوّر الطيّب أنّ المجتمات البشرية في انتقال دائم، وإنْ لم يكونوا بالضرورة بدواً رُحّلاً. فالسوداني لم ينبت سودانياً كشجرة ثابتة، ولا المصري ولا العراقي ولا الأوروبي. بكلمات أخرى قد ينحدر الإنسان إلى أصول مختلفة، وإن حمل سحنة ولغة البلد الذي يسكن فيه حاليّاً.طرح الطيب هذه الفكرة على حياء أوّلاً قبل أن يوظفها مصطفى سعيد، في أحابيله العاطفية.
يقول مصطفى سعيد واصفاً إيزابيلا سيمور في لقائهما الأوّل:"عادت النظرة الحانية إلى عينيها، ومدّت يدها فأمسكت يدي وقالت:هل تدري أنّ أمّي إسبانية؟". قال لها مصطفى سعيد: "هذا إذن يفسّر كل شئ. يفسّر لقاءنا صدفة، وتفاهمنا تلقائيّاً، كأننا تعارفنا منذ قرون. لا بدّ أنّ جدّي كان جنديّاً في جيش طارق بن زياد، ولا بدّ أنّه قابل جدّتك وهي تجني العنب في بستان بأشبيلية. ولا بدّ أنّه أحبها من أوّل نظرة، وهي أيضاً أحبّته، وعاش معها فترة ثمّ تركها وذهب إلى أفريقيا، وهناك تزوج وخرجت أنا من سلالته بأفريقيا، وأنت جئت من سلالته بأسبانيا".
في مرّة أخرى، ذكرمصطفى سعيد، كيف التقى بسوسن إثر محاضرة ألقاها بأكسفورد عن أبي نواس. " وفجأة رأيت فتاة في الثامنة عشرة أو التاسعة عشرة تثب نحوي وثباً مخترقة الصفوف، وطوّقتني بذراعيها وقبلتني، وقالت باللغة العربية:أنت جميل تجلّ عن الوصف. وأنا أحبك حبّاً يجلّ عن الوصف. قلت لها بعاطفة أخافتني حدّتها: وأخيراً وجدتك يا سوسن. إنني أبحث عنك في كلّ مكان، وخفت ألاّ أجدك أبداً.هل تذكرين؟ قالت بعاطفة لا تقلّ عن عاطفتي حدّة: كيف أنسى دارنا في الكرخ ببغداد على ضفة نهردجلة أيّام المأمون؟ أنا أيضا آقتفيت أثرك عبر القرون...لم تتغيرْ منذ آفترقنا"
قد يكون هذا الماضي –على جدّيته – تصوّراً رومانسيّاً. ولكنّه أصبح أكبر قوّة محرّكة عمّت جميع أجزاء الرواية. آرتبط الأمن في بداية الرواية بثبات الماضي.تبدأ الرواية على المثابة التالية:"عدت إلى أهلي يا سادتي بعد غيبة طويلة، سبعة أعوام على وجه التحديد، كنتُ خلالها أتعلّم بأوروبا..."
يوحي تعبير:"يا سادتي" على أنّ الراوية أصبح صوتاً تأريخياً، يخاطب كلّ شخص ولا يخاطب أحداً. جعلنا الراوية نظّارة في مسرح، نعاصر أحداثاً قديمة. نحن خارجها وداخلها في آن واحد. في اليوم التالي يرخي الراوية أذنيه لصوت الريح، وكأنّ الريح رمز لمجرى الأحداث. ثمّ يقول:"نظرتُ من خلال النافذة إلى النخلة القائمة في فناء دارنا، فعلمت أنّ الحياة ما تزال بخير".
لم تكن النخلة، وهي ربما رمز للسودان، وحدها ملهمة للطمأنينة والأمن، جدّه كذلك. إنّه خزين الماضي ومستودع أسراره. يقول الراوية:"أذهب إلى جدّي، فيحدّثني عن الحياة قبل أربعين عاماً، قبل خمسين عاماً، لا بل ثمانين، فيقوى إحساسي بالأمن. كنت أحبّ جدّي، ويبدو أنّه يؤثرني. ولعلّ أحد أسباب صداقتي معه، أنني كنت منذ صغري تشخذ خيالاتي حكايات الماضي...ولمّا سافرت خفتُ أنّه يموت في غيبتي.
منقول من موقع المدى
شارك هذا الموضوع
الصفحة 1 من 1

المساعدة













